أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قراءة نقدية في رواية قلاع ضامرة للأديب السوري عبد الرحمن حلاق

  1. #1
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2007
    المشاركات : 191
    المواضيع : 44
    الردود : 191
    المعدل اليومي : 0.05

    افتراضي قراءة نقدية في رواية قلاع ضامرة للأديب السوري عبد الرحمن حلاق

    قراءة نقدية :
    في رواية " قلاع ضامرة " للروائي السوري : " عبد الرحمن حلاق "( ) :










    تجليات ما بعد الحداثة في الرواية العربية المعاصرة :
    تشريح الذات والناس والوطن





    بقلم
    د. مصطفى عطية جمعة




    تستفز هذه الرواية المتلقي : استفزاز : المكان ، والزمن ، والشخصيات ، فتجعل المتلقي لاهثًا كي يجمع النثيرات ، ليعيد ترتيبها ، وتصنيفها ، ومن ثم يجد نفسه أمام بناءً روائيا قاعدته: التمزيق وقمته : الترتيب . وليس التشريح مترادفًا للفوضى ، بل هو مثل تمزيق الطبيب ثنايا الجرح علّه يصل موضع الألم فيمنع أسبابه ، ويوقف نزفه . إن المبدع حين يراجع المسلمات النظرية في ضوء الممارسات الشخصية لأصحابها ، ليختبر مدى ترسّخها في الواقع المعاش ، ومدى تعاركها مع الأهواء الشخصية ، والنزعات الإثنية ، هو مثل الطبيب ، ولكنه ينبش جروح الذات والوطن ، يتعمقها ، ويتعرف كنه الجرح ، بدلاً من البكاء فقط على أطلالها .
    إن هذه الرواية تنتمي لأدب ما بعد الحداثة حيث : الفقدان الشديد لليقين المنطقي والوجودي الذي يتجلى في تقنية الهدم واللاحسم والذاتية ، وفي نفس الوقت تسعى الذات إلى إعادة البناء والتركيب رمزيًا( ) لعلها تظفر بيقين جديد ، يقنع النفس ، ويعمّق الانتماء والرضا .
    إن ما بعد الحداثي : " يبحث عن تقديمات جديدة ، لا لكي يستمتع بها ، بل لكي ينقل حسًا أقوى بما لا يقبل التقديم . إن الفنان ما بعد الحداثي في وضع الفيلسوف ؛ فالنص الذي يكتبه والعمل الذي ينتجه لا تحكمهما - من حيث المبدأ - قواعد راسخة سلفًا ، ولا يمكن الحكم عليهما طبقًا لحكم قاطع عن طريق مقولات مألوفة عن النص أو العمل ..." ( ) .
    أي أن المتلقي – في منظور ما بعد الحداثة – يتلقى العمل الإبداعي دون شكل وقناعة مسبقة لديه ، بل هو متهيأ للمفاجأة : مفاجأة الشكل الذي هو غير مستقر ، ومفاجأة النقاش – وبالأدق التفجير – للمسلمات الفكرية .
    فهذه : " القواعد والمقولات هي ما يفتش عنه العمل الفني ذاته . الفنان والكاتب – إذن – يعملان دون قواعد لكي يصوغا قواعد ما تم عمله فعلاً... " ( ) .
    في هذه الرواية ، نرى البطل " جمال " يعمل معلمًا مؤقتًا في قرية تقع بالقرب من الحدود السورية التركية ، من جبال زاجروس ، فأهلها من أصول كردية ، بينما البطل – وهو طالب جامعي في كلية الآداب في السنة الثالثة – جاء يعلّم اللغة العربية التي يعشقها ، واستطاع أن يحبب الطلاب والطالبات فيها ، ومن ثم نظّم حصص تقوية مجانية في الفترة المسائية ، فازداد حب الطلاب له ، بينما عانى من بغض المعلمين الذين يتربحون من الدروس الخصوصية ، والذين راحوا يذمونه ويشنعون عليه في البلدة ، فيما لم يهتم البطل بهم ، واستمر في منهجه ، فتتعمق علاقاته بطلابه، وتحبه طالباته ، ويتزينّ له ، بينما يبدو هو – بداية - حريصًا على عدم التورط في علاقات غرامية معهن . تستوقفنا علاقة المعلم بطالبة شديدة الجمال " ملكة " ، تعاني من سقوط أمها في الدعارة مع أكابر القرية ، حيث تمتنع الفتاة عن هذا الطريق ، رغم تحريض أمها لها ، فيما تنخرط في علاقة حب مع " جمال " تنتهي بعناق حار في غرفته ، اشتد تآمر الناس عليه، وقد جاءه شيخ القرية "مستو " يبرر له ضرورة المغادرة خوفًا عليه ، وطاعة لولي الأمر ( المختار أوالعمدة) ومنعًا من الصراعات في المدرسة وبين الأهالي ، خاصة أن هناك تقارير كتبت ضده ، فيقرر البطل ترك القرية والعودة إلى حلب مدينة مولده ونشأته وجامعته ، لمواصلة دراسته الجامعية ، ولقاء رفاقه ، وهم شعراء ومنظّرون ومنظّمون، حيث يفاجأ بانضمام مجموعة من الفتيات إلى الشلة ، وانغماس البعض في علاقات حب ، فيما يخشى البعض الآخر أن تكون الفتيات مندسات من جهاز المخابرات ، الذي نشط أفراده في هذه الفترة – 1985 – حيث مرّ عامان على مذابح الإخوان المسلمين في صراعهم مع السلطة ، والتي أدت إلى الهجوم على مدينة حلب ، وتدمير ثلث المدينة القديمة ، ناهيك عن الاغتصاب والقتل والسرقة ، وتكوين جيش من المخبرين والعملاء من سكان المدينة ، وفيما توهمت السلطة أنها قضت على الإخوان ، راحت تصفي باقي التنظيمات السرية ، الاشتراكية والقومية ، فتعقبت أعضاءها ، ومن هذه التنظيمات الاتحاد الاشتراكي الذي ينتمي إليه البطل . يعلم " جمال " أن صديقًا موسيقيًا ( خالد ) له متعَقَبًا من قبل أجهزة الأمن ، فيسعى لمساعدته ، فلا يجد مكانًا يخبئه فيه إلا بيت ملكة وأمها في القرية ، ينزل البطل من السيارة أمام بيت ملكة ، فتتلقاه الأخيرة بشوق ، وتوافق على استضافة " خالد " في بيتها ، وتقترح ملكة على أمها الثائرة أن تقول في القرية إن " خالدًا " زوج الأم ، توافق الأم على مضض ، ويتطور الأمر إلى إعجاب متبادل بين خالد الرفيق والأم ، ثم عشق ووله ، فقد أعاد خالد الأم إلى شبابها، وذكّرها بأبي ملكة ، الذي كان ماركسيًا مثاليًا، اختفى فجأة ، وترك الأم وابنتها تقاسيان شظف العيش . كانت " ملكة" قد صوّرت خمسة من كبار رجال القرية في أوضاع مخلة مع أمها ، ومنهم المختار والشيخ ، من أجل تهديدهم ، إذا حاولوا اغتصابها ، وتظل تحمل في قلبها حبًا لا آخر له لجمال . يستطيع "خالد " أن يقنع ملكة بفكره الاشتراكي ، قبل مغادرته ثانية إلى حلب ، خوفًا أن يشي به أحد في القرية ويضر ملكة وأمها ، وشوقًا إلى الموسيقى والوتر ، فيعود ويظل يعاني من المطاردة ثم يسقط في الاعتقال والتعذيب ، فيتحمل حتى يضيق به المحقق ثم يطلق سراحه . تتقاطع الأحداث مع شخصية " طوني " هذا الرفيق الذي يصادق فتاة تدعى " جوليا " ، شديدة الجمال ، وفي نفس الوقت ذات أزمة أسرية خاصة، فقد طلّق أبوها أمها ، لأنها سقطت في غرام صديق له ، كان فنانًا تشكيليًا أراد أن يرسم الأم الجميلة ، وبدأ يختلي بها في المنزل ، وبطبيعة الأمور تطورت العلاقة إلى عشق ومن ثم طلاق من الزوج ، لتجد "جوليا " نفسها ضائعة بين والدين ، كل منهما كوّن حياة زوجية جديدة ، فاستجابت جوليا لطوني ، الذي عرض عليها أن تمارس الإغواء مع شلة الرفاق ، ليرى مدى انجذابهم للجنس الناعم ، ومدى استعدادهم للتخلي عن ثوابتهم الإيديلوجية ، وبالفعل تسللت جوليا للشلة ، وسقط في غرامها العديدون مثل : فريد وحسن ، واستغل طوني رغبتها الجارفة أن تكون شاعرة وسياسية ، وخلال سنة – وهي لم تنضج بعد – تصدر جوليا ديوانها الأول ، وبه العديد من قصائد " حسن " وقد عرفها رفاقه من أسلوبه الشعري ، وبدا اسمها يتردد في الجرائد . وفوق ذلك ، صارت عميلة للمخابرات ، بعدما ورّطها طوني في إسقاط الرفاق .
    ضمن التقاطعات السردية : نرى ملكة ، الفتاة المتحرقة شوقًا لجمال ، تذهب له في "حلب " ، وتقص عليه كيف أنها تعاني من تربص ابن المختار بها ، وهو بالمناسبة أحد عملاء الأمن ، وكيف أنه يهددها بأنها له ، فزرعت البيت كله سكاكين حتى إذا هاجمها تقتله ، تقضي اليوم – عشقًا - مع جمال لتقدم بكارتها - بمحض إرادتها مع حبيبها - كيلا تفقدها اغتصابًا ، ثم تعود للقرية ، يقرر جمال العودة ثانية للقرية ، حيث غرفته وطلابه ورغبته في التفرغ للاستذكار للسنة النهائية ، فقد مر عام على تتابع هذه الأحداث، وعندما يعود يفاجأ بخبر العثور على ملكة مقتولة في بيتها بطلق ناري ، وابن المختار مقتول معها بسكين في صدره ، والأم ميتة خنقًا بشريط لاصق على فمها ، والغريب أن البيت كان مغلقًا من الداخل ، وتتابع الأحداث حيث يجد البطل أن الصور التي صورتها " ملكة " لكبار رجال القرية وضعت على المقابر ، ومن ثم انتشرت في البلد لتدوي فضائح لا آخر لها للشيخ والمختار ورئيس المخفر ... ، فيرحل الشيخ عن القرية ، فيما يكتشف جمال أن هناك شخصًا كان وراء القتل ، وهو " آزاد " أحد أصدقاء "جمال" في القرية ، الذي يصارحه أن ملكة أوصته أن يقوم بتوزيع الصور على المقابر لو تعرضت للقتل ، ويعترف له أنه دخل المنزل ، حيث وعد " ملكة " أن يقوم بحراستها يوميًا ، وبالفعل دخل ليلاً فوجد ابن المختار يحاول اغتصابها ، فضربه على رأسه فأطلق المغتصب النار على ملكة وقتلها ، ثم سقط على الأرض مضرجًا بدمائه ، فأسرع آزاد بغرس السكين في صدره . وهنا ينصح جمال آزاد أن يكتم هذا الأمر ، وتم تقييد الحادث ضد مجهول . يتقابل جمال مع رفيقة مناضلة، حسنة الأخلاق "أسينة " ، حيث يلتقيان فكريًا في الاتفاق على مأساة الوطن ، وروحيًا بحب ناضج يتوج بالمشاركة في الحياة وتكون هذه خاتمة الرواية .
    إن العرض المتقدم ، هو تجميع للمتشظي ، ناتج من القراءة الأولى والثانية ، ويظل هذا التجميع عرضة للتعديل ، مع كل قراءة فاعلة ، وتتفاعل القراءة أكثر ، إذا عدنا إلى تحليل النثيرات السردية ، في محاولة لتقديم تجميع جديد ، وفقًا لعناصر وجماليات سردية يكون التأويل مفتاحًا لتناسقها ، وتجميع المتشظي المنفلت بها .
    البناء السردي :
    جاء البناء السردي في الرواية قائمًا على عناصر عدة :
    أولها : التعدد الصوتي حيث نجد رواة متعددين بضمائر المتكلم ، وإن كانت الغلبة الروائية للبطل " جمال " حيث استهل الرواية بذكر ما حدث له في القرية ، ثم عودته لحلب ولقائه رفاقه ، وكذلك ختمت الرواية بالزواج بين جمال وأسينة . فجمال هو الشخصية المحورية التي تتقاطع معها وحولها سائر الشخصيات . وتأتي شخصية " ملكة " التي تعرض علاقتها بجمال في القرية ثم سفرها له إلى حلب ، وتطور علاقتها به ، من حب إلى معاشرة كاملة ذات صبغة رومانسية دافقة . وتأتي شخصية " خالد " المناضل المثقف وهو يروي مأساته في السجن ، ثم علاقته مع أم ملكة ، ثم نجد شخصية جوليا وعلاقتها مع طوني ، وكلاهما يحكي بضمير المتكلم ، عن تجربته في الحياة ، وأبعادها الفكرية والعملية .
    ثانيها : لا تروي كل شخصية الأحداث من وجهة نظرها ، بل هي تروي أحداثًا تكمل بها أحداثًا أخرى سابقة لها ، وبالتالي تقوم كل شخصية بتنمية الحدث الروائي وفقًا لدورها ، فلم نجد أنها تتناول حدثًا مركزيًا واحدًا تحكيه من وجهة نظرها ، بل تتجاوز هذه التقنية كي تساهم في تتابع الأحداث وتنميتها ، وتعميق الشخصيات الأخرى عبر الكشف عن ماضيها الأسري أو الإبداعي أو السياسي . وكما رأينا فيما ترويه " ملكة " فقد انبرى صوتها الروائي يكمل ما ذكره جمال ، ثم يطور الحدث عبر إخبارها عما حدث في القرية ولها ولأمها بعد رحيل جمال ، ثم عندما حضر مع زميله " خالد " ، وسفرها لجمال في حلب . ونفس الأمر ما ترويه " جوليا " عن مشاكلها الأسرية بين أبيها وأمها والفنان عشيق الأم ، ثم علاقتها بطوني الذي يحاول دفعها للشلة ، ثم تورطها في العمالة المخابراتية ونصحبها وهي فرحة بصدور أول ديوان لها ، نصف قصائده كتبها الشاعر الرفيق "حسن " ، ونتقابل مع شخصيات أخرى مثل فراس وفؤاد رفيقي جمال في التدريب العسكري في الجامعة ، وعقيل الطالب المدسوس عليهم من قبل أجهزة الأمن ، ونتعرف عليها من خلال ضمير الغائب .
    ثالثها : إن هذه التقنية لها آثارها التشويقية ، حيث تحدث زلزلة للمتلقي حين يجد أن السرد بضمير المتكلم انتقل به إلى شخصية أخرى ، فيجهد للتعرف عليها ، ويجهد أكثر حينما يكتشف أن السارد المتكلم يكمل أحداثًا سابقة زمنيًا ، ومكانيًا . بجانب أنها تقيم لونًا من الرؤية الموضوعية في السرد ، كيلا يكون " جمال " هو الراوي الوحيد المهيمن في السرد والحدث ، وهذا يشكّل مصادرة على دور الآخرين في بناء الأحداث ، وعرض وجهات نظرهم بشأن المواقف التي اتخذوها في هذه الأحداث .
    رابعها : لجأت " ملكة " في سردها إلى تقنية الخطابات المرسلة للحبيب جمال ، وهي تقنية تتلاءم مع بعد الساردة المكاني عن حلب ، وتعبر عن الصلة المستمرة بين ملكة وجمال عبر الرسائل ذات البوح الصريح ، ولم تأخذ الرسالة شكل الخطاب التقليدي ، بل جاءت سردًا مرويًا بضمير المتكلم ، مع وجود جمل ذات خطاب مباشر ، تنقلنا لطريقة الرسالة. والأغرب أن تتقاطع الرسالة مع الحدث ، بطريقة خفية لا نستشعرها إلا بالتأمل الدقيق ، حيث تختلط الرسالة بالحدث ، فالرسالة ذات أسلوب تقريري نهايته نهاية الفقرة . ثم نفاجأ بالحدث : حوار وحركة وشخصيات ، ويعود السرد بنا إلى الرسالة ثانية ، في تداخل فريد ، لا يعنى بمدى الالتزام السردي بين الحكي والخطاب المرسل ، بقدر ما يعنى بتنمية الحدث . فهذه ملكة تخبرنا من رسالتها أنها قدمت " حلب " للقاء حبيبها جمال ، مقررة أنها صارت له : قلبًا وجسدًا ( هكذا الرسالة ) ، ثم نفاجأ بالحدث أنها تتصل بجمال في بيته ، ويتقابلان ، ويقضيان يومًا ممتعًا ، وتعود إلى قريتها ، ونعود معها لأجواء الرسالة التي تنقل معاناة ملكة مع ابن المختار .
    خامسها : لم تقتصر الرواية على ضمير المتكلم ، بل اشتملت ضمائر : الغائب والمخاطب، مثلما يخاطب جمال الطبيعة الجميلة في القرية وخطابه لحلب حين يقدم إليها ، وفي كلا الموقفين : يتناسب ضمير المخاطب مع البنية القصصية دون تشتت سردي ، كما جاء ضمير الغائب ليكمل الحدث ، ويعبر عن القفزات الزمنية التي اقتضاها السرد ، فيربط بين المتشظي السردي ، حيث علمنا به ما حدث في حلب للإخوان المسلمين ولغيرهم من الجماعات السياسية ، وهي أحداث رويت موجزة ، في تخط زمني ومكاني في السرد ، لا يناسبها بأي حال ضمير المتكلم ، وإلا احتاج مجلدات ضخمة ، بل تحتاج ضمير الغائب الذي يعرض الأحداث التاريخية بشكل مجمل .
    سادسها : جاءت الرواية في هيئة فصول مرقمة ، يشكل كل فصل وحدة زمنية ومكانية وشخصانية ، مع ارتدادات ماضية لتعميق الأحداث وربطها منطقيًا وسرديًا بالرواية ، وإن كنتُ أقترح أن تتخذ الفصول عنونة باسم السارد المتكلم من أجل تمييز الشخصية عن غيرها ، فبعض الفصول تتداخل أحداثها وشخصياتها ، مما يسقط المتلقي في تيه – أحيانًا- فلا يعرف السارد لهذا الفصل أو ذاك .
    سابعها : لجأ المؤلف الضمني إلى التقطيع الزمني والمكاني بطريقة ممنهجة ، استهدفت تعميق التصعيد الدرامي ، وتعرية الواقع السياسي والاجتماعي والفردي ، وكان الأنسب هذه التقنية المقطعة في فصول مرقمة ، والتقاطعية في الأحداث تتناسب مع طبيعة الرواية الكاشفة خبايا القهر السياسي للتجمعات اليسارية والقومية والشعبية .
    الشخصيات :
    لو تمعنا في الشخصيات التي وردت في الرواية نلاحظ أنها جاءت معبرة عن نماذج بعينها من واقع المجتمع الثقافي والسياسي ، واستطاعت بحركتها في الفضاء السردي أن تنقل لنا عمق الأزمة المجتمعية ، فقد توزعت أنماط الشخصيات معبرة عن جو الأزمة :
    فـ " جمال " : طالب جامعي ، مثقف يساري ( يبدو أنه ذو فكر ماركسي ) ، يتعامل مع السياسة بنظرية مثالية ، ثم انكسرت النظرة في احتكاكاته الواقعية في القرية وفي المدينة "حلب " ، حيث وجد أن حجم الفساد والعمالة والأنانية يغلف المجتمع نخبةً وشعبًا ، واكتشف أن الكثير من الشعارات المثالية تتحطم على أيدي رافعيها ، بفعل خضوعهم لنزواتهم الشخصية ، وعدم صمودهم أمام أجهزة الأمن ، وسرعة التخلي عن المبدأ لصالح المنافع الذاتية ، وهو في الوقت نفسه شخص إيجابي ؛ ابتعد عن المتاجرة بالطلاب في المدرسة عبر عمل فصول تقوية مسائية مجانية لهم ، واستطاع أن يجتذب – وهو معلم اللغة العربية – مجموعة منهم في عالم الأدب : ثلاثة شعراء وقاصَّيَنِ ، كما تصرف بشكل سريع في إنقاذ زميله " خالد " وتخبئته عند أم ملكة ، وكان فطنًا مع رفاقه لمحاولات المخابرات في معسكر التدريب العسكري مع الطالب عقيل العميل ، فاستطاعوا الإفلات منه ، وفي النهاية يتزوج من رفيقة مناضلة ، جمعهما الحب والفهم المشترك ، فهو يمثل النموذج الناجح الذي يرومه المؤلف الضمني ، وإن كان يجنح إلى الذاتية في تصرفاته وأحكامه ، وهذا ما اتضح من إدانته للأفراد الشهوانيين ، والتنظيم الذي لا يعبأ بالمشاعر الإنسانية ولا القدرات الإبداعية للرفاق ، واختلافه المستمر معهم ، وكونه لم يقر أنه منخرط في تنظيم الاتحاد الاشتراكي بشكل كامل على نحو ما نجد لدى رفيقه خالد .
    و "خالد " : المثقف المثالي ، طالب جامعي يدرس الموسيقى ، يمارس أنشطة سياسية عملية، تستهدف التحرك وسط الناس بعيدًا عن التنظيرات السياسية على المقاهي ، فهو يمثل الجانب الإيجابي التنظيمي ، في مواجهة الفئة المتكلمة الشهوانية ، وكان صموده في المعتقل حافزًا لثبات رفيقه جمال . وكلا الشخصيتين ينتصر لهما المؤلف الضمني فالأول يمثل النجاح في الحياة الاجتماعية والأدبية والثاني يمثل الثبات الفكري والتنظيمي . وهذا لا يمنع من سقوط كلتا الشخصيتين في خضم العلاقة الجنسية غير المشروعة ( جمال مع ملكة، وخالد مع أمها ) ولكنه سقوط النزوة المؤقتة .
    طوني : مؤدلج مدع ، يتخذ السياسة والأدب وسيلة لاجتذاب الفتيات والظهور في المنتديات ، وسعى إلى تزييف وعي جوليا بإغرائها بنشر ديوان شعر ، من خلال تنمية علاقتها مع أفراد المجموعة ، بل وإسقاط المثاليين منهم مثل : جمال ، الذي أبى متفهمًا دوافعها ، وفطن لزيف تجربتها الشعرية المسروقة. ويبدو أن طوني كان على علاقة واضحة بالمخابرات ، وجرّ جوليا إلى العمالة أيضًا .
    جوليا : فتاة تتسول بجمالها شهرة أدبية في مجتمع الجامعة ، وتحاول أن تعوّض جوانب النقص المتولدة عن أزمتها الأسرية ، ولا مانع لديها من العلاقات غير الشرعية ، وفتنة الشباب المناضل من خلال عمالتها للأمن ، وتأتي عمالتها مبررة في ظل معاناتها من افتقادها القدوة الأسرية والمجتمعية ، فأرادت الانتقام بطريقتها بوصفها أنثى .
    ملكة : المراهقة العاشقة ، إحدى ثمرات نشاط جمال في القرية ، تقف متضادة مع جوليا ، فملكة لم تنحدر مثل أمها في الدعارة ، وتشربت فكر جمال ، وكانت علاقتها الجنسية معه ذات دلالة رمزية ، فهو المستحق – في نظرها – لفض بكارتها الجسدية والقلبية ، وكان صمودها أمام محاولات ابن المختار – عميل المخابرات- لاغتصابها ، حتى تقتله ، قبل أن يقتلها .إنها فتاة إيجابية رغم صغر سنها ، وتوحش ظروفها .
    وتتقاطع على مسرح الرواية شخصيات على النقيضين : شخصيات تمثل السقوط المجتمعي في أبشع صوره ، تظهر في نخبة القرية : المختار ، وابنه ، وشيخ القرية ، ومدير المدرسة محرر التقارير الأمنية ، ورئيس المخفر . وشخصيات تمثل ضحايا عنف السلطة : الباحث الذي حرر رسالة ماجستير تتناول إحدى المشكلات الاجتماعية ، وبفعل تقرير من عميل جاهل ، يتم القبض عليه ، ليمضي ساعات طويلة يقنع المحقق بأن عمله مشروع وليس ضد الدولة ولا النظام . حتى يقتنع الضابط ، وينكر تصرفات المخبر الغبي .
    وشخصية الأب الحلبي الميسور ماديًا ، الذي اغتصبت ابنته أمام عينيه من قبل جنود الجيش ، في أحداث حلب مع الإخوان المسلمين ، ولم تعش الفتاة طويلاً حيث ماتت كمدًا ، فخسر الرجل ابنته الوحيدة ، وثروته ، وأصيب الرجل بحالة نفسية دفعته إلى التبرع بالدم بصفة مستمرة كلما تملكه الحزن الشديد . التبرع بالدم يعادل موضوعيًا تفريغ الكبت ، فالرجل لا يعلم من يقاضي ، ولا كيف ينتقم ، وهو فرد من الشعب لا علاقة له بالسياسة ولكنه أحد ضحاياها ، فهو يشكل مع الباحث نموذجين دالين على عنف السلطة ضد البحث العلمي النزيه ، ونهب ثروات المواطنين وأعراضهم .
    وتأتي شخصية أم ملكة الزوجة السابقة لأحد الماركسيين المناضلين ، ولكنه تسقط وتمعن في السقوط ، وكما تذكر ابنتها في خطاب لها لجمال ، أن أكثر من خمسين فردًا من أهل القرية ضاجعوا أمها ، ولكن علاقتها مع خالد المناضل يكشف عن شخصية طيبة وفية ، حمت خالدًا ، وعشقته حتى الثمالة ، وامتنعت طيلة فترة بقائه معهم عن استقبال الرجال ، لقد ظهر معدن الأم حينما رأت نموذجًا من الشباب المثقف ( خالد ) ، الأم رمز للأرض : قد تخضع للمحتل ، ولكنها تحافظ على بقائها ، وتنبت من أعماقها من يقاتل المحتل ، سواء كان محتلاً أجنبيًا ، أو محتلاً من أبناء الأرض نفسها ، يمارس قهره وتسلطه.
    الفضاء السردي :
    تنحصر حركة الشخصيات بين مكانين : القرية ، والمدينة " حلب " ، ورغم انتماء البطل إلى حلب ، مولدًا ونشأة وعلمًا ، إلا أنه يتعاطف مع القرية المكان ، فيحكي عنها : "حين وصلت البلدة للمرة الأولى أمضيت أسبوعًا كاملاً أتجول حولها ، أتنقل بين شوارعها المتربة ، أشتم روائحها ، وأغسل رئتي بهوائها ... " ، ثم يقول على لسان حصاة حادثها في سفح جبل: " ابتدأت قدسية التراب ، وتوراثها أبناء البلاد ، لهذا عبر ظهري مئات الغزاة ، وبقي أبناء هذه الأرض ممن شربوا دماء الخابية بقربي ..." ( )، تقع القرية بين حدود تركيا وسورية ولواء الأسنكدرونة ( )هذه هي القرية ، أما المدينة "حلب " فقد: " تراءت لي ... كاعبًا ، يضيء وجهها سفوح طوروس ، وسهول البادية ، لا يطمع من يعشقها بأكثر من التبتل لجدرانها المكسوة بغبار التاريخ ، وجه صبية لا تملك إلا إطالة النظر فيه طمعًا بجرعة جمال وألق فقط ..." ، والبطل ذهب إلى القرية هروبًا من حلب القاسية ، يقول :" أتيت لأعيد لروحي وجهها ، أتيت لأن ثمة من دفعني للمجئ أردت هواء نقيًا ، فقد خنقتني مدينة أبي فراس الحمداني ، ورمت عاشقها عند جبال طوروس"( ) ، وحين يترك " جمال " القرية عائدًا إلى حلب ، يقول:"شعرت وأنا أطل على حلب كم أنا وحيد وبلا زاد ، شعرت للحظة أني فقدت أشياء عزيزة ، كنت في البلدة محط اهتمام لملكة والتلاميذ والشيخ مستو والمختار والمدرسين ، وها أنا أدخل حلب عائدًا كأي متسلل ..." ( ).
    فالمدينة حلب منظر دون جوهر ، ظاهرها العطف ، وباطنها الحدة ، وربما يعود هذا إلى أنه غادر حلب بعد مواجهات السلطة الغاشمة بالأهالي الثائرة ، مواجهات كان ضحيتها النخبة المفكرة وعامة الشعب . وربما يكون هذا الشعور استباقيًا في السرد ، لأن الأحداث التالية له بررت سبب العداء العاطفي للبطل مع حلب ؛ صراع الرفاق ، وعملاء الأمن ، وفساد التنظيمات ، وتآمر الفتيات . ويقول واصفًا شعوره وهو يدخل حلب : "تستقبلك حلب كما تستقبل الآلاف يوميًا وتودعهم بمثل ما استقبلتهم به ، بالحياد نفسه، وربما باللامبالاة نفسها ، فالمدن لا تسلس قيادها لأي عابر "( ). فالمدينة رحبة بناسها وأمكنتها ، عميقة في تاريخها ، فليس من السهل أن يتعايش معها الفرد ، والغريب أن البطل ابن لها ، وحتى هذه اللحظة لم تسلم قيادها له .
    وحين تموت ملكة قتلاً برصاصة من ابن المختار ، يرثيها " جمال بقوله :" يا ه يا ملكة، ستشبهين حلب كثيرًا في موتك ، الفارق بينكما فقط أن المدائن تنهض من رمادها، أما أنت فلا رماد لك " ( ) . فيقر أن حلب ميتة بعدما تم وأد التيارات السياسية ، والأبحاث العلمية ، والمبدعين الشباب ، هكذا تموت المدن ، وتحيا عندما يخرج جيل جديد ، يدرك معنى الحرية ، وينافح من أجلها ، ويقدّم المبدعين والمبتكرين ، وتكتسب لفظة " رماد " انحرافًا دلاليًا ، فهي – معجميًا – تعطي معنى المتبقَّى من حرق النار ولا يصلح أن تُشعَل النار في الرماد من جديد ، بينما أعطت في سياقها – مع المدائن - دلالة النمو من جديد كأنها بذرة تنبت ، وفي نفس الوقت حملت دلالة عن حرق حلب في مذابح الإخوان ، وليس المقصود بالرماد الجانب المادي فقط ، بل بقايا البيوت وبقايا البشر والحضارة .
    والسؤال المطروح : هل حلب تضاد القرية ؟ أرى أن الإجابة بالنفي ، فتأويليًا : كلاهما من الوطن ، ولكن القرية تمثل الوطن في بكارته : قد تلوَّث بعض الشيء ولكن من السهل إصلاحها ، أما حلب فهي مثل العجوز ، الذي يحمل التاريخ على ظهره لا يستطيع التخلص منها ، وفي نفس الوقت غير قادر على إصلاح ما فيه سابقًا وحاليًا . وقد تميزت الرواية بنأيها عن العاصمة ، وعرض صدى الأفكار في الأقاليم ، التي تجد هي صراع وانعكاس لما يجري في العاصمة ، ولكنه انعكاس ذو نكهة خاصة ، مصطبغة بخصيصة حلب الإقليم ، إنها موطن التقاء عدة مذاهب دينية ، وإرث قبلي ، وقوميات .
    هامش الإيديلوجيا :
    على هامش النص نلتقي بمجموعة من التيارات المتصارعة التي تبحث عن مكان لها ، إنها أفكار تحت الأرض ، في أعماق الصدور . أول هذه التيارات : فكر الإخوان المسلمين، فلم نجد إدانة واحدة من المؤلف الضمني لفكر الإخوان ، بالرغم من أن الرواية تحتفي باليسار ، وتشرّح مجتمعهم ، ولكنه يفسح المجال في رؤاه للإخوان المسلمين الذين انتفضوا ضد سلطة غاشمة ، فكان رد السلطة ضد الجميع . يقول البطل في حوار مع أحد أفراد السلطة :
    " ... ها قد مرت أزمة الإخوان ، ومنذ سنتين تقريبًا لم نسمع طلقة ، لقد هدأت أحوال البلد ، ويفترض أن تعود الأمور إلى نصابها ، ليس معقولاً أن يكون الناس بالمجمل مشبوهين . ويرد عليه رجل الأمن : " ... إن كنت تظن أن الإخوان قد انتهى أمرهم ، فاسمح لي أن أخالفك الرأي فما زال منهم الهارب والمتخفي ... "( ).
    فمنظور " جمال " أحقية كل فرد في الحضور والتواجد ، ومنظور رجل الأمن : التعقب لأفراد الجماعة مادامت السلطة غاضبة عليهم ، فغضبها دائم ، وتم تشريعه بقانون يعدم كل من ينتمي لهذه الجماعة حتى الآن .
    وثاني هذه التيارات : الأكراد ، الذين التقاهم في القرية ، مجبرون على تلقي العلم باللغة العربية ، وتغييب اللغة والثقافة الكردية . يسأل أحد الطلاب بعفوية : " أستاذ ، لماذا لا يكون تعليمنا باللغة الكردية ، أنت قلت أن التعبير هو المحصلة النهائية للتحصيل الدراسي. كيف سنستطيع التحصيل بلغة لم نستطع تعلمها بشكل جيد ؟ علمونا بلغتنا ولتكن اللغة العربية لغة أساسية . غمرتني موجة أسى ، وأنا أستمع إليه ، لم أستطع أن أجيبه بأكثر من " أنت محق " شارحًا له أهمية التأقلم في هذه المرحلة مع الواقع الذي نعيش، هذا الواقع الذي كثيرًا ما يضغط على صدري " ( )وقد رفع تقرير ضد البطل – من مدير المدرسة – بأنه يحرض الطلاب على المطالبة بفتحة مدارس كردية ( ).
    ونلاحظ اعترافًا بحقوق القومية الكردية ، ثقافة ولغة ، وهذا يضاد أطروحات القوميين العرب ، وما يزعمه الحزب السوري القومي الذي نادي بسورية الكبرى .
    وثالث هذه التيارات : الإرث القبلي والتعصب له ، الذي يكمن في النفس ، وهو محصلة التربية والثقافة المحلية ، وقد رأينا أحد عوامل تحلل اليسار ، صراع المثقف بين إرثه القبلي والعائلي ، وبين أفكاره الأممية ، حيث أقرت الأحداث بانتصار القبلي على الأممي من خلال شخصية أحد الرفاق الذي عشق رفيقة معه ، ودخل معها في علاقة غير شرعية وهو يقر إقرارًا تامًا أنه غير قادر على الزواج منها بسبب ارتباطه بخطبة عائلية لابنة عمه منذ الصغر ، وقد اضطر لإتمام الزواج بها ، وهو كاره لها ، وطالب رفيقته أن تستمر العلاقة بينهما حتى يجد فرصة سانحة لطلاق الزوجة . وبالطبع لم يحدث هذا ، فضغط العائلة أكبر بكثير من القناعات النظرية الأممية . وهذا ما عبر عنه البطل في حواره مع خالد ، حيث يقول :" هل مرت مفاهيم البداوة من هنا ؟ أم مازلنا نحمل القبيلة في صدورنا ؟ هل نقف على يسار ماركس وعلى يمين محمد وفي قلب القبيلة في آن واحد؟( ) .
    الاعتراف بالآخر وقبول الإثنيات والتعدديات الثقافية من أهم مراجعات ما بعد الحداثة حيث احتفت بمختلف الثقافات ، وأقرت بحقها في التعايش ، وأسقطت مركزيات الأفكار وقلاع الإيديولوجيات التي تنفي الآخر ، فالديمقراطية قوامها التعايش السلمي ، وقلما يخلو وطن – بمعنى الدولة – من الأقليات والثقافات والديانات الأخرى ، ناهيك عن الجماعات السياسية والاحزاب ، فإما التعايش وإما الاقتتال ، وقد جرّبت بعض الدول قاعدة الكبت والإلغاء ، ظنًا منها أن السنين كفيلة بتذويب التعدديات ، فكانت المحصلة : تمزق المجتمع ، وهروب المبدعين ، ونشر ثقافة النفي والإلغاء والتهميش ، وإرضاعها الجيل الصاعد .
    الزمن السردي :
    تدور أحداث الرواية في زمن محدود ، لم يتم التعبير عنه بشكل مباشر ، بل تمت الحركة الزمنية عبر إشارات ، فالزمن المحدد : عامان تقريبًا ، عبر عنهما بذكر السنة الثالثة والرابعة من دراسة " جمال " في كلية آداب حلب ، انتهت بالتحاقه بالتدريب العسكري هذا زمن السرد الروائي الداخلي ، أما الزمن الخارجي فهو محدد بعامين مضيا على معارك الإخوان المسلمين في حلب وحماه ( حدثت في العام 1983م ) .
    ولا شك أن الدلالة الزمنية نابعة من تقاطع زمن السرد مع الزمن الخارجي ، فالزمن الخارجي يرصد مأساة وطنية ، حين واجهت السلطة الشعب الساذج بكل عنف ، فتركت المواجهات دماء وجروحًا في النفوس لم تندمل ، وجاء الزمن السردي ممعنًا في عرض آثار هذه الجروح بعد مرور عامين ، فلم تنس السلطة ما حدث ولم تتوان عن ملاحقة من تبقى من الإخوان ، وفرّغت جهودها لتعقب باقي التيارات السياسية الأممية والقومية ، وهذه الملاحقات ترصدها الرواية عبر دور العملاء في إسقاط المناضلين ، بالنساء ( جوليا ) أو بالإرهاب الفكري ( مع باحث الماجستير ) أو بالاعتقال ( لخالد ).
    العنوان :
    " قلاع ضامرة " هذا عنوان الرواية ، وبعد التحليل المتقدم ، نستطيع أن نرى القلاع ذات انحراف دلالي : فالقلاع حجرية البناء ، تقوم على حماية المدن ، ويتحصن فيها العسكر ، وبها مخازن العتاد ومؤن الحرب ( ) ، أما هنا : فبناؤها الأفكار ، ولبناتها البشر ، ووظيفتها تحصين الذات بالفكر والثقافة ،وأسندت لفظة " ضامرة " لها ( على الخبرية ) ، بكل ما توحي به اللفظة( معجميًا ) ( ) من هزال وضعف في البطن والضرع أو الكائن الحي عمومًا ، ولكن اكتسب هنا دلالة الضمور للمادي الحجري ( القلاع ) .
    إلا أن السارد يعلن منذ البدء ، وباستباقية أنه راجع كل قلاعنا الفكرية ( الإيدلوجيات ) على محك الواقع، واقع التطبيق الفردي ، واقع العلاقة السلطوية ، فوجد هزالها ، وباتت غير قادرة على تقديم المزيد .
    إن هذه الرواية تمثّل صورة من صور المراجعات الفكرية والعقدية التي ظهرت في السنوات الأخيرة لكل الأفكار المتصارعة على الساحة ، وهي في المجمل لا تناقش الأفكار من جهة جدواها ، بقدر ما تحمل إدانة للفرد الذي حمل الفكر وهو غير مدرك لما فيه ، وإدانة التنظيمات التي تعاملت مع الفرد كترس ، لا قيمة ولا مشاعر له ، فكانت سهلة الاختراق من قبل السلطات ، وإدانة السلطة التي تجعل القضايا السياسية والفكرية ضمن ملفاتها الأمنية ، وإدانة الإرث القبلي والتعصب المذهبي .

  2. #2
    مفكر أديب
    عضو الاتحاد العالمي للإبداع
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 50
    المشاركات : 12,542
    المواضيع : 378
    الردود : 12542
    المعدل اليومي : 2.75

    افتراضي

    احسدك على هذه القراءة الواعية
    ولاني لم اكمل خوف انقطاع الكهرباء فسآخذها معي الى البيت

    ثم اعود معقبا

    بوركت ايها الاستاذ العزيز
    الإنسان : موقف

  3. #3

المواضيع المتشابهه

  1. قراءة نقدية فى قصة " أرز وعدس " للأديب سمير الفيل
    بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 25-02-2015, 01:25 AM
  2. تجليات ما بعد الحداثة في الرواية العربية المعاصرة : في رواية " قلاع ضامرة "
    بواسطة د.مصطفى عطية جمعة في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 10-06-2008, 05:24 PM
  3. "البائـس" ...قراءة نقدية تحليلية فى قصة "الانتقام الرهيب " للأديب : محمد نديم
    بواسطة د. نجلاء طمان في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 25-05-2008, 03:08 PM
  4. دراسة نقدية لقصيدة قالوا صبئت لـ : ( د. هزاع ) - بقلم الناقد عبد الرحمن جميعان
    بواسطة د. عمر جلال الدين هزاع في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 12-02-2008, 02:55 PM
  5. رواية "الأسوار" لمحمد جبريل: قراءة نقدية
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 27-11-2006, 11:08 PM

HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة