التهدئة .. والتهدئة الأخرى

لطفي زغلول

نابلس
www.lutfi-zaghlul.com

حتى لا يكون هناك أي تأويل آخر لهذا العنوان ، إرتأينا بداية أن نفسره بما لا يدع مجالا للشك فيه . إن المقصود بالتهدئة ، هو ما يريده الفلسطينيون ، وما يمليه المنطق ، والمتمثل في أن تكون التهدئة تبادلية تزامنية وشاملة . بمعنى أن يتبناها الطرف الإسرائيلي ، وأن يقبل بها قلبا وقالبا ، لا أن تكون من طرف واحد هو الفلسطيني .

وهي شاملة ، بمعنى أن تنطبق على كل الأراضي الفلسطينية – الضفة الفلسطينية والقطاع - دون استثناء - . وينطبق هذا الشمول على كل الفعاليات القتالية والممارسات الإحتلالية ، بكافة أشكالها . ومثالا لا حصرا الإجتياحات والإغتيالات والإعتقالات ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وتوسيعها .

إلا أن الأهم من ذلك ، أن التهدئة من منظور فلسطيني ، لا ينبغي لها أن تبقي على الوضع الحالي قائما . أو أن يظل المشهد السياسي الحالي خاليا من أية بادرة أمل لعملية سلمية جادة ، لا يماطل الإسرائيليون فيها ، ولا يخادعون ، ولا يشترطون اشتراطات تعجيزية ، ولا يفرضون منظورهم لها . وزيادة على ذلك أن يقبلوا بما أقرته الشرعية الدولية من قرارات ، تؤكد على ضرورة استعادة الفلسطينيين لكامل حقوقهم المشروعة ، في إطار سلام عادل وشامل مقابل الأرض .

أما التهدئة الأخرى ، فهي التهدئة من منظور إسرائيلي . وهي بمعنى أدق وأصح حالة تكريس للإحتلال الإسرائيلي . وكلتا التهدئتين على طرفي نقيض . وحقيقة الأمر أن الإسرائيليين يفترضون التهدئة من طرف واحد هو الفلسطيني . وهي بأي شكل من الأشكال لا تسري عليهم ، ولا على ممارساتهم الإحتلالية . وهم إذا ما قبلوا بصيغة ما لها ، فهي مجرد تجميد لفعالياتهم العدوانية في القطاع ، دون بقية الأراضي الفلسطينية .

في هذه الأيام ، يدور الحديث عن مشروع تهدئة جديدة ، جراء ما آلت إليه الأوضاع المتفجرة في مجمل الأراضي الفلسطينية بعامة ، وقطاع غزة بخاصة . وفي المقابل ، لا يمكن استثناء أوضاع المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للقطاع ، والتي تتعرض لردود أفعال فلسطينية متواضعة ، تتخذها الحكومة الإسرائيلية حجة بغية تحقيق أهداف ، بدأت تتكشف مخططاتها العدوانية . إنها باختصار حرب شعواء لا هوادة فيها ، ما زالت تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني بشرا وحجرا وشجرا منذ زمن بعيد ، سواء كانت هناك ردود أفعال فلسطينية ، أو لم تكن .

ومثالا لا حصرا ، ووفقا لتقرير منظمة العفو الدولية " أمنستي " الذي أصدرته حديثا ، فإن إسرائيل قد قتلت خلال العام المنصرم 2006 ، والذي يفترض أن تهدئة كانت تسوده ستمائة وخمسين فلسطينيا ، نصفهم من المدنيين العزل ، وبينهم مائة وعشرون طفلا ، وذلك بزيادة قدرها ثلاثة أضعاف معدلات العام 2005 . وهذه الأرقام لا تشتمل على أعداد الضحايا الفلسطينيين منذ بداية العام 2007 حتى نهاية شهر أيار / مايو من ذات العام ، والتي سجلت ارتفاعا ملحوظا ولا فتا للنظر .

وحقيقة الأمر ، إن أعداد الشهداء الفلسطينيين ، والجرحى ، والمعتقلين ، لا تشكل مجمل صورة المشهد الكارثي الفلسطيني العام ، بأي شكل من الأشكال . واستكمالا لقراءة تقرير منظمة العفو الدولية ، فإن إسرائيل ، إضافة إلى كل ما ذكر آنفا ، قد عمقت سياساتها هوة الفقر في الأراضي الفلسطينية من خلال احتجازها المستحقات الجمركية العائدة للفلسطنيين ، والتي تشكل أهم مصدر دخل لهم ، وعبر توسيع شبكة الحواجز ، وقيود التنقل الأخرى .

ومما لا شك فيه ، أن هذه السياسات القمعية الجائرة ، قد أدت إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في كافة الأراضي الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق ، أفرز أوضاعا كارثية في شتى المجالات الصحية والبطالة وغيرها . وإذا ما أضيف إلى كل ذلك إفرازات الحصار الأخرى ، ونخص بالذكر أزمة انقطاع رواتب ما ينوف عن مائة وستين ألف موظف ، فإن الإقتصاد الفلسطيني يمر في حالة من التدهور غير مسبوقة .

ولم يقف تقرير منظمة العفو الدولية عند هذه الحدود ، بل تعداه إلى انتقادها إسرائيل على مواصلة مصادرة الأراضي الفلسطينية ، وذلك بغية بناء المزيد من المستوطنات ، أو توسيع القائم منها . كما أن التقرير لم يستثن توجيه نقد لتكثيف العمل في بناء جدار الفصل العنصري الذي أفرز حالات كارثية على كافة الصعد الفلسطينية .

ونحن هنا لم نتحدث عن الأوضاع الكارثية التي تضرب الأراضي الفلسطينية جراء السياسات الإسرائيلية القمعية من منظور فلسطيني . لقد آثرنا هذه المرة أن نسرد بعضا منها من خلال وجهة نظر دولية محايدة . وفي هذا الصدد ، لم نجد أصدق تعبيرا من تقرير منظمة العفو الدولية ، وإن كان ينطبق عليه المثل الشعبي " إللي بنضرب بالعصي ، مش متل إللي بعدها " .

وعودة إلى موضوع التهدئة . فهي من أساسها غير منطقية . وهي غير عقلانية ، كونها بين طرفين محتل " إسم مفعول " وهو الشعب الفلسطيني ، ومحتل " إسم فاعل " وهي إسرائيل التي يصول جيشها ويجول في ثلاثية البر والبحر والجو الفلسطينية ، زارعا الخراب والدمار والموت فيها . إن إسرائيل تريد تهدئة من طرف واحد ، لا تشملها بأية صورة من الصور ، تبيح لها أن تفعل ما تشاء ، تجتاح ، تقتل ، تعتقل ، تدمر ، تصادر .

وإذا ما كانت هناك ردود أفعال فلسطينية متواضعة على سياساتها هذه ، فإن لها من منظورها ومنظور حليفتها الولايات المتحدة الأميركية الحق في الدفاع عن نفسها . وهو دفاع هجومي شرس ، مفرط باستخدام القوة ، لا يعرف الرحمة ، لا يميز بين مقاتل وبين مواطن أعزل ، لا حول له ولا قوة .

لقد أثبت المرات العديدة السابقة ، أن هذا النمط من التهدئات ، لا يمكن أن يثبت ، أو أن يكتب له الإستمرار أو النجاح في وقف الممارسات العدوانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني . عدا عن أن الذي يطلبه الشعب الفلسطيني أكثر بكثير من لعبة التهدئات التي تفتقر إلى أدنى ذرة من التبادلية والمصداقية . إنها والحق يقال ، قد أصبحت من منظور إسرائيلي غاية في حد ذاتها ، لا وسيلة لمرحلة متقدمة تنتفي فيها كل أعمال العنف ، وتخطط لسلام دائم وعادل .

إن المطلوب أفق سياسي للقضية الفلسطينية ، تلوح منه بارقة أمل ، إضاءة في خر النفق ، بادرة تسوية عادلة ، تنهي كافة المظاهر العدوانية الإحتلالية ، وتنهي معها الإحتلال الإسرائيلي البغيض ، وتؤسس لسلام دائم وعادل ، لا يحمل في طياته أدنى انتقاص للحقوق الفلسطينية المشروعة .

كلمة أخيرة ، ثمة سؤال عريض متعدد الجوانب في هذا السياق : هل إن إسرائيل مستعدة لهذا السلام العادل والمنصف ؟ . هل ستتخلى عن مشروعاتها الإستيطانية ؟ . هل ستقبل بمبادرة السلام العربية ؟ . هل ستعيد الأرض العربية مقابل السلام ؟ . هل ستعترف بحقوق الفلسطينيين المتعلقة بالقضية الفلسطينية ؟ . وهل وهل وهل ؟ .

إننا نشك في ذلك . ولا يتأتى هذا الشك من دافع التشاؤم . إننا انطلاقا من تجاربنا السابقة المريرة مع الإحتلال الإسرائيلي ، تشكلت لدينا وتعمقت قناعات مفادها أن إسرائيل غير معنية لا بتهدئة ، ولا عملية سلمية ، ولا بأي شكل من أشكال السلام المنصف . ويقينا إن المنظور الإسرائيلي للتسوية مع الفلسطينيين ، ينبع من عقيدة ساسة إسرائيل المتمثلة في فرض السلم الإسرائيلي الذي لا يحمل إلا مضمونا واحدا هو الهيمنة ، ولا شيء إلا الهيمنة على الشعب الفلسطيني ومقدراته ، لاغيا قضيته من جذورها . وإن غدا لناظره قريب .