تطبيق نظرية النظم في النقد البلاغي للشعر والنثر الفني
سأتناول هذا الموضوع من خلال معنى واحد من المعاني النحوية للجمع هو:
الدلالة على الفعل والدلالة على الذات
كلمة(كافر وكافرة) هي اسم فاعل واسم الفاعل فيه معنى الفعل(كَفَرَ)فإذا أردنا معنى الفعل فإننا نجمعهما جمعا سالماً أي جمع مذكر سالم(كافرون)وجمع مؤنث سالم(كافرات)ومعنى كلمة(جمع سالم)أي أن الكلمة سلمت من التكسير مثل كلمة(رجل)نجمعها(رجال)نكسر الكلمة بعد حرف الجيم ونضيف إليها الألف هكذا(رجل- رج ل - رج ا ل -رجال).
نجمعها جمع مذكر سالم وجمع مؤنث سالم إذا أردنا معنى الفعل لأن الكلمة(كافر)هي اسم فاعل على وزن(فاعل)والجمع السالم لايغير صيغة فتستمر معه على صيغة(اسم الفاعل)دالة على الفعل .
وإذا أردنا معنى الذات أي المتصف بالكفر فإننا نستخدم جمع التكسير(كفار)للمذكر و(كوافر)للمؤنث لأن جمع التكسير كسر الكلمة فلم تعد على صيغة(اسم الفاعل)اي ان(كافرون وكافرات)الكلمة استمرت على صيغة اسم الفاعل عند جمعها فاستمرت دلالتها على الفعل من جهة الصيغة بينما(كفار وكوافر)لم تستمر الكلمة على صيغة اسم الفاعل من جهة الصيغة فصارت لاتدل على الفعل بل على الذات المتصفة بالفعل.
ويكون الاستخدام حسب المقام هكذا:
(قل يا أيها الكافرون)
قال (الكافرون)ولم يقل(الكفار)لأن ذلك يناسب المقام وهو أن كفار قريش أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له : تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلاهك سنة والسورة ترد عليهم فالحديث عن العبودية أي الفعل(الكفر) وليس عن العابد أي المتصف بالكفر .
هذا مسلك دقيق في البلاغة وهو أن:
كلمتي(الكافرون)و(الكفار)تدل ان على مشركي قريش الذين اقترحوا ذلك الاقتراح لكن كلمة(الكافرون)فيها دلالة قوية على معنى الفعل(الكفر)ليست في كلمة(الكفار)وكانت هذه الدلالة على معنى الفعل تناسب المقام الذي قيل فيه هذا الكلام أكثر من كلمة(الكفار)وعلى هذا الأساس أي(مناسبة المقام)تم اختيار كلمة(الكافرون).
وقال تعالى(لاتمسكوا بعصم الكوافر)
(كوافر)جمع كافرة تدل على الذات أي المتصفات بالكفر ولما كان المقام هو الحديث عن حكم زوجات المسلمين اللاتي لم يسلمن فناسب هذا المقام كلمة(الكوافر)لدلالتها أكثر على الذات .
وقس على هذا مثلا: كلمة(العشاق)وكلمة(العاشقون) إذا ناسب المقام الفعل تقول(العاشقون)وإذا ناسب المقام الذات تقول(العشاق) يفول الشاب الظريف:
لاتخف ما فعلت بك الأشواق
واشرح هواك فكلنا(عشاق)

فعسى يعينك من شكوت له الهوى
في حمله(فالعاشقون)رفاق

مرة قال(عشاق)ومرة قال(عاشقون)فينبغي أن يكون هناك مقامان مقام يناسبه(عشاق)ومقام يناسبه(العاشقون)أو أن المقام واحد لكن له جانبان مثل العملة المعدنية جانب يناسبه(عشاق)وجانب يناسبه(عاشقون .
غير كذا قل أن الشاعر أخطأ بسبب الوزن وإلا ستهدم عرش البلاغة العربية .
لاتخف مافعلت بك الأشواق
واشرح هواك فكلنا عشاق
هل الحديث عن العشق أم عن العاشق؟
إذا كان عن العشق فيناسبه كلمة(العاشقون)لأنها تدل على العشق أكثر وإذا كان الحديث عن العاشق فيناسبه كلمة(العشاق)لدلالتها على الذات أكثر أي الأشخاص .
الحديث عن شرح الهوى وقال للمخاطب(لاتخف - اشرح)هذان طلبان بالنهي أي طلب الكف عن الفعل والأمر اي طلب القيام بالفعل لكنهما على سبيل النصيحة فقال له لاتخف واشرح لأننا كلنا عشاق أنا وأنت فالعاشق هو أكثر شخص يمكن ان تشرح له الهوى كأنه يقول له ثق بي لأنني عاشق مثلك فلاتخف واشرح هواك .
إذاً الحديث عن العاشق لمن يشرح هواه ؟
الجواب لعاشق مثله فالحديث عن العشاق وليس عن العشق فناسبه كلمة(العشاق)التي تدل على الذات أي شخص العاشق أكثر من دلالتها على الفعل أي العشق.
فعسى يعينك من شكوت له الهوى
في حمله فالعاشقون رفاق
هنا شيء مهم وهو أن كلمة(رفاق)ليس لها في جمع المذكر جمع مذكر سالم أي(رفيقون)ولكن لها جمع تكسير فقط هو(رفاق)فليس للمتكلم إلا أن يستخدم جمع التكسير(رفاق)فصار جمع التكسير بهذا اامفهوم يدل على الفعل وعلى الذات.
أصلا كلمة(رفاق)جمع(رفيق)ورفيق صفة مشبهة باسم الفاعل على وزن(فعيل)مثل(كريم)ملخص هذا الموضوع أن العرب لم تقل(كارم)في اسم الفاعل من الفعل(كرم)ولكن قالت(كريم)فاستغنوا ب(كريم)عن(كارم)وقس على ذلك في اسم المفعول مثل أنهم قالوا دافق بمعنى مدفوق وقتيل بمعنى مقتول وطعين بمعنى مطعون عكس القياس إذ أن القياس في اسم المفعول ان يقال مدفوق ومقتول ومطعون . وأحيانا يستغنون مثل كريم استغنوا به عن كارم وأحيانا لايستغنون مثل حبيب بمعنى محبوب والحقيقة لا أعرف هل ورد في الشعر الجاهلي كلمة محبوب أم لا .
ملحوظة مهمة:
الناس تقول(عاشق ومعشوق)و(عاشقة ومعشوفة)وكذلك تقول(عشيق وعشيقة)فتقول عاشق ومعشوق وعاشقة ومعشوقة في مقام غير الذم وتقول عشيق وعشيقة في مقام الذم .
فعسى يعينك من شكوت له الهوى
في حمله فالعاشقون رفاق
الكلام على(حمل الهوى)وليس على(حامل الهوى)كما هو في البيت الذي قبله فناسبه كلمة(العاشقون)التي تدل أكثر على الفعل(العشق)والعشق مصدر(عشق يعشق عشقا)والمصدر هو أصل الفعل فالعشق مثل الضرب فكما ان الضرب فيه معنى الفعل يضرب فكذلك العشق فيه معنى الفعل يعشق.
قد يكون كلامي خطأ أي أن الشاعر أخطأ فإذا كان هذا صوابا فالخطأ ليس في النظرية لكن في تطبيقها لأن تطبيقها يلزم تحليل النص وتخليل النصوص صعب اي أن الخطأ في تطبيق النظرية يكون من خطأ في تحليل النص .
ألسنا جميعا نعلق على نصوص بعضنا البعض فنقول عبارات مثل(صور جميلة)ومن هذا الكلام فهذه العبارات هي عبارات نقدية ناتجة من خلال تحليل النص تحليلا سريعا من خلال الذائقة اللغوية لكن إذا تعمقنا في تحليل النص فإننا قد نخطئ لصعوبة تحليل النصوص البليغة .
أيضا هنا شيء مهم:
إذا أخطأ الشاعر أو الكاتب ونحن على علم بأنه بليغ فإننا نحاول ان نجد له أعذاراً مثل أن نقول الوزن قد اظطره لهذا أو القافية او نقول أن المعنى انتهى قبل القافية فاحتاج للحشو في القافية أو أنه غلَّب المعنى على اللفظ أو العكس ومن هذا الكلام لأننا لانهدف إلى اكتشاف الأخطاء بل نهدف إلى إثراء الحركة الأدبية ورفع مستوى الوعي البلاغي وخدمة الشاعر والكاتب والاهتمام بنصوصهما فالمتنبي لم يكن هو المتنبي الذي نعرفه لولا معركة النقد التي نشبت حوله .
مسألة مهمة جدا الاهتمام بالنصوص التي في المنتدى وأهم شيء فيها هو تحريك الراكد وبث الحيوية فيكون المنتدى أكثر جاذبية وينبغي على الشاعر والكاتب ألا يزعلا إذا كان النقد لم يعجبهما يجب أن يغلبا مصلحة الكيان على مصلحة الفرد .
والله أعلم