نشر الدكتور عبدالصبور شاهين عام ألف وتسع مئة وثماتية وتتسعين كتابه الخليقة بين الوهم والحقيفة وأخدث هذا الكتاب دويا هائلا فعارضه أكثر الناس مما اظطر مجمع البحوث الإسلامية الى النظر في الكتاب ليصدر فتواه بعد ذلك برئاسة لجنة مكونة من الدكتور سامي محمد متولي الشعراوي قالت الفتيا بأن الكتاب لم يعارض القرآن ولا السنة ولا ماهو معلوم من الدين بالضرورة .أهم مافي النوضوع هو أن عالما مشهورا من علماء أهل السنة يتبنى رواية عن خلق آدم تناقض في بعض أجزائها الرواية المعتمدة لأكثر من ألف عام .الشيخ مؤلف الكتاب يجعل عمر الإنسان ملايين السنين مر خلالها بمراحل حتى وصل الى مرحلة التسوية أو الكمال الإنساني فظهر الإنسان الحالي العاقل الذكي آدم عليه السلام وهذا يعمي أن هناك بشرا قبل آدم عليه السلام تناسلوا بالماء المهين ثم ظهر آدم كمرحلة من المراحل التي مر بها هؤلاء البشر حتى يصلوا إلى الإنسان العاقل الذكي آدم عليه السلام.أليس يلزم من هذا الكلام أن يكون آدم عليه السلام مخلوقا من أب وأم ؟قال الدكتور عبدالصبور شاهين(ولیس غریباً أن نتصور - بناء على ھذا - أن آدم جاءمولوداً لأبوین ( ذكر الشیخ رشید رضا أن وثنیي الھندیزعمون أن لآدم أماً ، ولھا في مدینتھم المقدسة -بنارس - قبر علیه قبة بجانب قبة قبره - المنار 8 / 308 )وأن حواء جاءت كذلك ، على الرغم مماسوف یلقى ھذا التصور من معارضة تلقائیة ، ورفض!! عنیف !! وبلا تفكیر إن ھذا التصور لا یتصادم في رأینا مع حقیقة خلقالإنسان من طین ، ذلك أن الخلق الذي بدأ منذ ملایینالسنین بالجسد الطیني - كان ھدفھ النھائي والوحید خلق ( آدم ) ، وكل ما مضى من أحداث بین التاریخین - إنكان ثمة تاریخ - إنما ھو وقائع بناء جسد آدم ، وعقله وروحه وملكاته وخصائصه ...).قال الشيخ(وليس غريباً أن نتصور-بناء على هذا-أن آدم جاء مولودا لأبوين).الآن سأشرح قوله(بناء على هذا):الشيخ يقصد المرتحل لكن قبل تبيين المراحل أشرح هذه المسألة المهمة قال الشاعر:لا أركب البحر إني ... أخاف منه المعاطبطين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب(طين أنا)هل هو طين؟هذا مجاز مرسل باعتبار ماكان من أصله الإنسان الأول .ولكي يكون هناك مسوغ للقول بأن آدم عليه السلام مولود من أبوين لابد من تأويل الآيات والأحاديث التي ورد فيها ذكر أن آدم مخلوق من طين أو تراب بالمجاز .وبرأيي أن هناك آية لايمكن تأويلها بالمجاز بسبب المعاني النحوية للعبارة التي ورد فيها أن آدم مخلوق من تراب فصحيح أن اللغة العربية حمالة أوجه لكن المسألة ليست فوضى فاللغة العربية لغة مقدسة منزهة عن العبث .مراحل خلق الإنسان حسب رأي الدكتور عبدالصبور شاهين:قال تعالى(الذي أحسن كل شيءٍ خلَقَه وبدأ خلق الإنسان من طين - ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين - ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ماتشكرون)(وبدأ خلق الإنسان من طين)كلمة(بدأ)توحي بمراحل وهذه المراحل ثلاث معطوفة بحرف العطف(ثم)الذي يوحي بفترات زمنية بين المرحل وهذه المراحل مرتبة هكذا:مرحلة الخلق من الطينمرحلة الخلق من الماء المهين أي من أبوينمرحلة التسوية ونفخ الروح وقال تعالى(فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)أي أن آدم عليه السلام الذي سجد له الملائكة كان بعد مرحلة التسوية ونفخ الروح .وكما فهم الدكتور عبدالصبور شاهين أن مرحلة التسوية ونفخ الروح كانت بعد مرحلة الخلق من أبوين بالماء المهين بزمن قد يكون ملايين السنين حسب ترتيب المعطوفات بحرف العطف(ثم)وبهذا يكون هناك بشر قبل آدم وآدم مرحلة كانت من مراحل خلق الإنسان من هؤلاء البشر بعد الماء المهين فكيف يكون آدم مخلوقا من طين ؟أليس المنطق حسب هذا الفهم أن يكون مولودا من أبوين؟فإذا أمكن تأويل جميع النصوص التي ورد فيها أن آدم مخلوق من طين أو تراب بالمجاز فإنه يكون هناك مسوغ لاحتمال أن يكون مولودا لأبوين إلا أن هناك آية أعتقد أنه لا يمكن تأويلها بالمجاز وهي قوله تعالى(إنَّ مثلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون).طلب نصارى نجران من النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لعيسى عليه السلام فأجابهم القرآن بهذه الآية فكيف يكون آدم مولودا لأبوين وعيسى مثله؟فلا مسوغ هنا للقول بالمجاز(خلقه من تراب)ولكن قد يمكن التأويل بأن آدم هذا هو أول البشر وآدم الذي سجدت له الملائكة هو آدم الإنسان بعد التسوية ونفخ الروح فيكون هناك آدمان وقد يكون في هذا التأويل تعسف ومبالغة.شرح العطف(...وبدأ خلق الإنسان من طين - ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين - ثم سواه ونفخ فيه من روحه ...)يجوز أن يكون(ثم سواه ونفخ فيه من روحه)معطوف على(بدأ خلق الإنسان من طين)فقط أي معطوف عليه فقط وليس معطوفا على(ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين).دلائل الإعجاز الشيخ عبدالقاهر الجرجاني (بيان دقيق في شأن عطف الجمل:هَذا فنٌّ من القَول خاصُّ دقيقٌ. إعلَمْ أنَّ مما يَقِلُّ نظَرُ الناسِ فيه من أَمْر العطفِ أنَّه قد يُؤْتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، بل تُعْطَفُ على جملةٍ بينها وبينَ هذه التي تُعْطفُ عليها جملةٌ أو جملتانِ، مثالُ ذلك قولُ المتنبي:تَولَّوْا بغْتَةً فكأَنَّ بيْناً ... تَهَيَّبني فَفاجَأَني اغْتيالافكانَ مَسِيرُ عِيسِهِمُ ذَميلاً ... وسيرُ الدمعِ إثْرَهُمُ انْهِمالا١قولُه: "فكان مَسيرُ عيسهِم"، معطوفٌ على "تولَّوا بَغتةً"، دونَ ما يليهِ من قولِه: "ففاجأني"، لأنَّا إنْ عطفناه على هذا الذي يليه أفسَدْنا المعنى، من حيثُ إنه يدخلُ في معنى "كأَنَّ"، وذلك يؤدِّي إلى أن لا يكونَ مسيرُ عيسهِم حقيقةً، ويكونَ مُتَوهَّماً، كما كان تهيُّبُ البينِ كذلك)والله أعلم