أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر
أول شيء مهم يصادفنا هو أن الشاعر يخاطب نفسه وقد قلت كلاما عن هذا في قصبدة لأحد الشعراء وهنا أضيف شيئا ممافهمني إياه الله سبحانه وأنعم به علي .
إءا قرأت الكتب ستجدهم قالوا أن هذا فن اسمه التجريد ومعناه أن يجرد الشاعر من نفسه شخصا ويخاطبه ثم يذكرون لك أنواعه وأشكاله وكلام كثير عنه وهو مفيد جدا ولاغنى عنه .
وهنا سأذكر لك مافهمني الله سبحانه وتعالى إياه إذ أني لايعجبني فهم الشيء فهما سطخيا لابد أن أتوغل فيه .
إذا تأملنا في كلام العلماء نجد أن أفضل كلام هو ماقاله أبو علي الفارسي ومعناه أن العرب في نفوسهم معنى كامن يخرجونه في أشعارهم عاى شكل حوار مع شخص فإذا تأملت وجدت ذلك الشخص هو الشاعر نفسه .
امسك هذه الكلمة(معنى كامن في نفوسهم)والمعنى الكامن في نفس الشاعر أبي فراس هو(عصي الدمع)وماذا يعني وصف(عصي الدمع)بأنه معنى كامن في نفس الشاعر ؟
اضرب لكم مثال :
من تلقب بعصي الدمع لماذا لقب نفسه بهذا اللقب ؟ ومن أين أتى به؟
لما قرأ بيت أبي فراس أعتقد بدون إدراك منه بأن أبافراس قد أخرج له المعنى الكامن في نفسه أقصد المعنى الكامن في نفس الذي تلقب بعصي الدمع .
وربي مالها تفسير إلا هذا حسب كلام الشيخ أبي علي الفارسي .
هذا شيء مثل أن الإنسان يستشهد ببيت ليعبر به عما في نفسه فيصير مثل الذي قال البيت أي له أغراض ومقاصد مشابهة لأغراض ومقاصد قائل الكلام الذي استشهد به وإلا فما من معنى لاستشهاده بكلام قاله غيره .
ولي تفسيرات أخرى للتجريد لأن الشاعر مرة يخاطب بدون أن يذكر اسم ومرة يذكر اسم مثل أيها الرجل ويا فؤادي ويانفس فقول قطري بن الفجاءة:
أقول لها وقد طارت شعاعا
من الابطال ويحك لن تراعي
أعتقد أنه ليس تجريدا بل يخاطب نفسه التي خاض معها صراعا بين جبنها وشجاعته أي نفسان:
نفس الشاعر الشجاعة
النفس البشرية التي تخاف من الموت
إذ كيف نفسر أن الإنسان يخوض صراعا مع نفسه وضميره ؟ أليس تفسيرها ان النفس مركبة فكما أن الصراع يدور بين عناصر هذا التركيب فكذلك قد يكون كثير من مخاطبة النفس في الشعر ليس تجريدا بل حديث وحوار بين هذه العناصر .
أما قول الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
فهذا تجريد فهو لايخاطب النفس البشرية التي في الإنسان بل يخاطب شخصه أي عنصر من عناصر النفس يخاطب نفس العنصر والله أعلم .
عصي الدمع هو صفة مشبهة باسم الفاعل مضافة إلى فاعلها(يعصي دمعُه)أي أن الدمع يتصف بالعصيان وعصي على وزن فعيل مثل كريم لكن هناك ياءان ولذلك قد تظن أنه في الوزن لا يشبه كريم .
والصفة المشبهة واسم المفعول إذا أضفناهما للفاعل ونائب الفاعل فإنه يجب أن نحذف من الصفة المشبهة واسم المفعول ضميري الفاعل واسم المفعول أي تقول:
دمع زيد عصيٌّ
كلمة عصي فيها ضمير يعود على الدمع أي عصي هو وهومن؟ الدمع .
لاحظ :
دمع هند عصي
هند عصية الدمع
أنثنا كلمة(عصية)لأن فيها ضمير يعود على هند وذلك لما أضفنا(عصي)إلى فاعله(الدمع).
ولم نؤنث عصي في الجملة التي قبلها لأن فيها ضمير يعود على فاعلها الدمع .
هل عرفتم الآن كيف صار المعنى بإصافة عصي الى الدمع؟
كان أولا هكذا:
أبو فراس عصي دمعه
اي أن العصي هو الدمع
ثم بالإضافة صار:
أبو فراس عصي الدمع
اي ان العصي هو أبوفراس
والدليل على ذلك تانيث عصي:
هند عصية الدمع
إذ أن الدمع مذكر مجازي .
(عصي الدمع)استعارة لكن يجب تحويلها إلى كناية حتى نصل الى المعنى المراد اي مادام انه عصي الدمع فدموعه لاتسقط في الموقف الذي يجعل دموع الناس تسقط ومادام أن دموعه هكذا فهو يتجلد بالصبر ولذلك لم يعطف جملة(شيمتك الصبر)على جملة(أراك عصي الدمع)لأن شيمتك الصبر توكيد لجملة أراك عصي الدمع والتوكيد لايعطف على المؤكَّد.
أراك عصي الدمع الفعل اي رآه بقلبه فعصي الدمع يعرب مفعول به ثاني مثل رايت العلم نورا أي علمته نورا أما إذا فلنا رآه بعينه فيجب أن نعرب عصي الدمع حالا وهذا فيه تعسف في المعنى
ثم قال:
اما للهوى نهي عليك ولا أمر
أي ان الكلام من جهة الهوى أقصد انه عصي الدمع وشيمته الصبر في الهوى او الحب .
وغرض الاستفهام التعجب وهو معنى مثير هنا كانه قال اولست إنسانا؟! فإن كنت إنسانا فالإنسان للهوى نهي عليه وأمر ولذلك قال بعد هذا البيت:
بلى انا مشتاق وعندي لوعة
كأنه قال أنا إنسان يشتاق ويلتاع لكن مثلي لايذاع له سر أي يشتاق ويلتاع بدون أن يعلم به أحد إلا المحبوب .
هناك همهمة خفية في الكلام عبارة عن معاني تدل على معاني وهذي هي صفة الشعر الجيد والنثر الجيد كلما زدته تأملا زادك معنى لوجود دلالات كثيرة .
كيف هو شاعر ويستطيع أن يخفي سر الهوى؟
هذي من الهمهمة
قد تدل على معنى مثل :
وساحرة العينين لاتعرف السحرا
تواصلني سرا وتقطعني جهرا
وبهذا سر الهوى يكون خفيا وقد تكون من أغلاط الشعراء أي تناقض بين المعنى وما يدل عليه من معاني .
وأما إذا قلنا بأن المقصود من(لايذاع له سر)ألا يخبر المحبوب فهذا يناقض قوله بالوفاء لفاتنة في الحي شيمتها الغدر .
أما للهوى نهي عليك ولا أمر
هذا استفهام خرج من معنى الاستفهام وهو طلب الإجابة على سؤال إلى معنى من المعاني الإنشائية هو التعجب .
ومسألة خروج الاستفهام الى معنى إنشائي غير طلب الإجابة على سؤال مختلف فيها هل الاستفهام هنا مجاز أم حقيقة لكن الأكثر والأرجح انه حقيفة لإننا نصل الى المعنى الإنشائي من خلال الاستفهام أي سؤال يجيب عليه المسؤول في نفسه هكذا:
يا أبا فراس عد إلى نفسك واسألها هل هناك إنسان ليس للهوى عليه أمر ولا نهي ؟
فتقول نفسه:لا .
وهنا نصل الى معنى التعجب .
هو بعد ذلك يجيب على السؤال بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ثم يفسر كيف لم يظهر هذا الاستياق وهذه اللوعة فيعرف السائل انه مشتاق وملتاع بقوله انه لايذاع له سر .
يفترض بما أنه أجاب على السؤال فإن السؤال أما للهوى نهي عليك ولا أمر ليس غرضه التعجب .
وهذا حسب الأصول لكن لما كان يسأل نفسه ويجيب نفسه صار هناك معنيان :
معنى عصي الدمع
مرتبط بأما للهوى نهي عليك ولا أمر.
معنى لايذاع له سر
مرتبط بعدم ظهور أثر الاشتياق واللوعة عليه .
إذاً من الذي يسأل؟
هو الذي لم ير أثر اللوعة والاشتياق.
ومن الذي يجيب؟
هو صاحب اللوعة والاشتياق.
فهل صاحب اللوعة لايعرف أنه ملتاع؟
وبهذا يكون المعنى الكامن في نفس الشاعر هو :
التعجب من أنه صار مثل العملة المعدنية له صورتان صورة ظاهرة للناس تجسدها يظهر فيها بأنه عصي الدمع وشيمته الصبر وما للهوى نهي عليه ولا أمر. وصورة ظاهرة له فقط هي صورة المشتاق الملتاع الذي يخفي اشتياقه والتياعه عن الناس لأنه مجرد إنسان .
لاحظ :
إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى
وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكِبرُ
تَكادُ تُضيءُ النارُ بَينَ جَوانِحي
إِذا هِيَ أَذكَتها الصَبابَةُ وَالفِكرُ
لاحظ:وأذللت دمعا من خلائقه الكبر
يكابر أمام الناس(عصي الدمع)وينهار امام نفسه(وأذللت دمعا) إنه صراع بين العز والذل لانه أمير وفارس فالأمير الفارس عزيز والعاشق الملتاع ذليل .
أذللت .................. الكبر
المتكبر أمام الناس الذي هو الدمع يذله ولذلك قال:
إذا الليل أضواني ...........
اي بينه وبين نفسه يذل الدمع المتكبر أمام الناس .
والله أعلم

رد مع اقتباس