(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)
عزيزي القارئ إذا قرأت الموضوع وقال لك صوت في نفسك هذا كلام كبير لن تستطيع فهمه فهذا صوت الشيطان لايريد أن تحصل على هذا الخير العظيم .
وربي لو أنك لم تفهم فهذا لا يعني أنك جاهل بل يعني أن كاتب الموضوع فاشل فشل في إفهامك فجهز فنجان قهوتك عشان أبغا عقلك يكون شغال مئة بالمئة .
إني لا أخبط خبط عشواء بل لي منهج أسير عليه هو نظرية النظم والمعاني النحوية وتعني استقراء ومناقشة معاني أدوات التعبير في اللغة العربية مثلا قوله تعالى(أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن).لماذا استخدم الفعل في قوله(يقبضن)واستخدم الاسم في قوله(صافات)في وصف طيران الطير؟
الجواب لأن الفعل يدل على الحدوث والتجدد فالفعل(يقبضن)وصف حركة الطير وهو يحرك أجنحته فهذي الحركة فيها حدوث وتجدد واستخدم الاسم(صافات)في الدلالة على الطير عندما يفرد جناحيه في السماء ولايحركهما لأن الاسم يدل على الثبوت والاستمرار.
وينبغي أن تكون حميع آيات القرآن على هذا النسق يقول تعالى(يخادعون الله وهو خادعهم)يخادعون فعل مضارع وخادعهم اسم فاعل فوصف المنافقين بالفعل المضارع لأن خداعهم يتجدد حدوثه مؤامرات مستمرة مؤامرة فمؤامرة لكن الثابت والمستمر دائما أن الله سبحانه وتعالى يبطل خداعهم .
ينبغي أن تكون جميع آيات القرآن والحديث الشريف والشعر الجاهلي على هذا النسق وإلا فهناك خلل في المنهج . وهذا مثال فقط لمن يقرأ لي لأول مرة.
نعود للآية الكريمة(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)
سأقف فيها وقفات لأن الموضوع مختصر:
الوقفة الأولى:معنى(يستخلف من بعدكم)كيف جر الظرف بحرف الجر(من)؟
أي هنا خياران:
يستخلف بعدكم . بدون جر الظرف
يستخلف من بعدكم . بجرف الظرف بمن
(الظرف)هذا مصطلح في النحو معناه أنه لا بد أن يكون لأي فعل يحدث زمان ومكان حدث فيهما فالزمان الذي يدل على حدوث الفعل فيه سموه ظرف زمان والمكان الذي يدل على حدوث الفعل فيه سموه ظرف مكان .
الظرفان(قبل وبعد)قد يجران بحرف الجر(من)وقد لايجران .
(يستخلف من بعدكم)
المعنى فورا بعد زوالكم .
(يستخلف بعدكم)
المعنى بعد زوالكم بزمن وليس فورا .
قال تعالى(فإنا فتنا قومك(من بعدك)وأضلهم السامري)المعنى أن موسى عليه السلام ذهب إلى ميقات ربه وفورا السامري بدأ تنفيذ خطته وفتنته .
إذاً الاستخلاف يكون مباشرة وليس بعد زمن.
الوقفة الثانية:
وهي أهم الوقفات والدليل الذي مابعده دليل حجة كالشمس:ما معنى(كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين)؟
الأفعال ياشباب وياشابات لها نوعان من المفعول به:
النوع الأول:
أفعال يجب أن يكون المفعول به موجودا قبل حدوث الفعل لكي يقع عليه الفعل مثل:
ضرب زيدٌ عمراً
حتى يقع الضرب من زيد على عمرو لابد أن يكون عمرا موجودا قبل حدوث الضرب .
النوع الثاني:
أفعال يجب أن يكون المفعول به غير موجود قبل حدوث الفعللأن الفعل هو الذي يوجده مثل:
خلق اللهُ السماءَ
السماء غير موجودة قبل حدوث الفعل وهو الخلق لأن الفعل أي خلق هو الذي أوجدها .
ومثلها بنى العصفور عشا لأن البناء هو الذي أوجد العش .
أعتقد عرفنا معنى(كما أنشأكم)أي أوجدكم ولم تكونوا موجودين .
من أين أوجدكم؟
(من ذرية قوم آخرين)
لاحظ كلمة(ذرية)إنها تصرخ بمعناها .
أي أن هؤلاء أبناء هؤلاء .
الوقفة الثالثة:
(إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)
(يذهبكم ويستخلف)
أي إذا استخلف قوما أذهب أجدادهم .
أين أنواع البشر الذي قبل الإنسان الحالي؟
لقد أذهبهم كما قال .
الكاف للتشبيه أي أن هذا قد حدث . ماهو ؟
(كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين)
أين القوم الآخرين؟
أذهبهم لأنه استخلفنا .
الوقفة الثالثة:
معنى حرف الجر(من)في قوله تعالى(كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين).
الكلام الذي قلته لكم هو الذي تصرخ به اللغة لكن شيخ المفسرين الطبري لم يتصور أن يكون هناك بشر قبلنا ففسر حرف الج(من)بالتعقيب وليس حسب معناه الأصلي الذي سيجعل المعنى أننا خرجنا من أصلاب نوع من البشر قبلنا(قوم آخرين)ليسوا مثلنا .
قال الطبري:
(ومعنى " مِنْ" في هذا الموضع التعقيب, كما يقال في الكلام: " أعطيتك من دينارك ثوبًا ", بمعنى: مكانَ الدينار ثوبًا, لا أن الثوب من الدينار بعضٌ, كذلك الذين خوطبوا بقوله: (كما أنشأكم)، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين, ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلَف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم).
الكلام واضح لقد رفض الشيخ الطبري المعنى الأصلي لحرف الجر(من)وذهب إلى القول بالتعقيب والمعنى يكون على أصل المعنى اللغوي فإذا لم يمكن حمله ذلك لجأنا لاي شيء آخر كالتأويل مثلا ولذلك قالوا بأن اللغة العربية حمالة أوجه أي يحتمل أن يكون المعنى كذا ويحتمل أن يكون كذا أي أكثر من احتمال للمعنى .
أعتقد اتضح أننا إذا حملنا المعنى على أصل معنى حرف الجر(من)فإنه يكون هؤلاء مستخلفين من أصلاب هؤلاء الذين أذهبهم الله سبحانه وتعالى ولاحظ كلمة الاستخلاف وكلمة ذرية إنهما توحيان بهذا المعنى .
لنذهب لآيات اخرى سربعا:
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7).
لاحظ كلمة(بدأ).
ثم بعد ذلك يقول سبحانه وتعالى:
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8)
أي بداية الخلق من الطين ثم تواصل النسل بالماء الماء المهين .
ثم بعد ذلك يقول سبحانه وتعالى:
(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9).
لاحظوا الترتيب:
سواه بعد أن جعل نسله من ماء مهين وليس بعد ان خلقه من الطين .
أعتقد ترتيب المعطوفات واضح .
الترتيب كالتالي:
١-خلق الطين
٢-تواصل النسل بالماء المهين
٣-التسوية ونفخ فيه من روحه.
هذي الثلاثة معطوفة على بعضها البعض بحرف العطف(ثم)الذي معناه التراخي أي أن هذا بعد هذا بفترة الله أعلم بها ومنه قوله تعالى(لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد)الفترة بين المتاع القليل في الدنيا وجهنم في الآخرة سنين الله أعلم بعددها .
ثم هذه الثلاثة معطوف عليها(وجعل لكم السمع الأبصار والأفئدة)أي شرفه بأن نفخ فيه من روحه وجعل له السمع والأبصار والأفئدة .
أقصد أن الثلاثة شيء وهذه الاثنتان الروح ومجموعة نِعَم السمع والأربصار والأفئدة شي .
الكلام واضح أن الإنسان تناسل ولم يتم تسويته بعد يدل على ذلك ترتيب المعطوفات .
إلا أنه يجوز في اللغة أن يكون ترتيب المعطوفات فيه تقديم وتأخير كالتالي:
(وبدأ خلق الإنسان من طين)
معطوف عليه(ثم سواه ونفخ فيه من روحه)
والإثنان معطوف عليهما(ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين).
لكن هذا التأويل في العطف لا نلجأ إليه إلا إذا لم نستطع أن نحمل المعنى على الأصل الذي يثبت أن التسوية ونفخ الروح حدثت بعد أن جعل نسله من سلالة من ماء مهين .
قال(وبدأ خلق الإنسان من طين)
قال الإنسان ولم يقل آدم.
وقال في آية أخرى(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)
قال هنا بشر .
لكن لاحظ كلمة(تنتشرون)معطوفة بثم على(خلقكم من تراب)أي أن انتشار البشر في الأرض حدث بعد زمن من خلقهم من تراب .
كلمة بدأ تعني مراحل هي:
١-خلق الطين
٢-جعل سلالته من ماء مهين
٣-سواه ونفخ فيه من روحه
(سواه)الضمير(الهاء)يعود على الإنسان أس سوى الإنسان .
وقال تعالى(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
كلمة دابة من الدبيب أي المشي والحركة والإنسان يدب على الأرض .
وقال تعالى(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ).
أي أن السماوات فيها مخلوقات تدب فيها وهي أيضا مخلوقة من ماء لذلك أي مكان يوجد فيه ماء فإنه يحتمل ان تكون فيه مخلوقات .
فالماء هو أصل الحياة جميع المخلوقات مخلوقة منه .
طبعا علماء الغرب يقولون أن الحياة بدأت في البحر وهم بهذا يثبتون أن كل شيء مخلوق من الماء لكن أنا ليس لي علاقة بعلمهم إنما عندي منهج وأطبقه على آيات القرآن الكريم .
نأتي إلى أخطر سؤال:
هل الإنسان أصله قرد؟
أقول لك لا أعلم .
وما أدراك لعل القرد أصله إنسان او أن لهما أصلا مشتركا .
لكن هناك آية لا أعرف هل فيها إيحاء إلى شيء ما ؟
قال الله سبحانه وتعالى بعد أن مسخ قوما من بني إسرائيل فجعلهم قردة(كونوا قردةً خاسئين).
دارت عندي أسئلة منها:
لماذا مسخهم قردة بالذات ؟ وليس حيواناً آخر؟
(خاسئين)إعرابها حال و(كونوا)معناها صيروا أي التحول من صفة إلى صفة تقول صار العنب زبيبا أي تحول من عنب إلى زبيب فالزبيب أصله عنب .
والعنب يصير زبيبا بعد زمن لكن الزبيب لايعود عنبا فإذا عاد الزبيب عنبا قلنا هذه معجزة لايقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى.
قال(خاسئين)أي حقيرين بعد أن كنتم بشرا مكرمين .
وربي الآية هذي فيها شيء بس منا عارف كيف أصل إليه .
هل عادوا إلى أصلهم القديم قبل أن يكرمهم الله سبحانه وتعالى فيصطفيهم كأنه قيل لهم عودوا إلى أصلكم القديم حينما كنتم حيوانات قردة خاسئين.
أبغا شخص يجيب على هذا السؤال:
ليش مسخهم قردة بالذات؟ ثم قال بعد ذلك عنهم(خاسئين)؟
أليست كلمة ياحيوان نعتبرها مسبة واحتقار ؟
كيف حولهم من بشر إلى قردة؟
هل أعادهم إلى أصلهم؟
ستقول الله سبحانه يقدر على كل شيء فأقول صدقت فأمره بين الكاف والنون لكنه جعل لهذا الكون نظاما يسير عليه ولكل شيء أصل .
هذا الموضوع لا أقبل فيه إلا آية من القرآن الكريم أو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح مليون في المئة وغير هذين يؤخذ منهم ويرد .
وقال الله سبحانه وتعالى في آية(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)
هنا أضاف الخنازير مسخهم قردة وخنازير .
وفي الحديث روى القرطبي هذا الحظيث(يُمسخُ قومٌ من أمتي في آخرِ الزمانِ قِرَدةً وخنازيرَ، قيل : يا رسولَ اللهِ ويشهدونَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنك رسولُ اللهِ ويصومون ؟ قال : نعم. قيل : فما بالُهم يا رسولَ اللهِ ؟ قال : يتخذونَ المعازفَ والقيناتِ والدفوفَ ويشربونَ الأشربةَ فباتوا على شُربِهم ولهوِهم، فأصبحوا وقد مُسِخوا قِرَدَةً وخنازيرَ)
أيضا قردة وخنازير .
روى مسلم (2663) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ، والعقب : الذرية . قال النووي رحمه الله في شرح مسلم : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنَّ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير كَانُوا قَبْل ذَلِكَ أَيْ : قَبْل مَسْخ بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَسْخ اهـ .
أي أن القردة والخنازير ليس أصلها البشر لأنها كانت موجودة قبل حدوث هذا المسخ في بني إسرائيل .
حتى من المسلمين سيمسخ قوم فيصيرون قردة وخنازير يارب سترك وعفوك .
أبغا شخص يجيب على هذا السؤال لماذا سيمسخ إلى قردة وخنازير هؤلاء المسلمون أيضا لماذا المسخ كله يكون بالقردة والخنازير ؟
المهم إنك عزيزي القارئ يكون عقلك متفتحا ويكون الأصل الذي إذا اعتمدت عليه فلن تضل هو القرآن الكريم والحديث الصحيح مليون في المئة ولاحظ أني قلت لك مليون في المئة ولم أقل مئة في المئة أي أنك يجب أن تتأكد من صحة الحديث وبعد ذلك سيتضح لك أنك قد تكون تؤمن بأشياء لم ترد لا في قرآن ولا حديث صحيح .
والله أعلى وأعلم