*إلى العشــــــاق أكتبها*
في الحب مراحل كثيرة، فهو يبدأ بالهوى ويتدرج نحو الشغف والوجد والعشق، ثم يتطور إلى الغرام والوله، وعندما يحب الشريك شريكه، ويعشقه لروحه، ويبتعد بهواه عن اللذائذ المادية المختلفة، تظهر عليه صفات المحب الولهان، الذي تملّك حبيبُه روحَه، فصارا جسدين يمتلكان نبضاً واحداً.
هنا، لدينا "حالة حب" تنعكس منها كل صفات العشق، فقد ظن الحبيب بأن محبوبته قد هجرته، ولكن عقله لم يتقبل ذلك، فطفق يحدثها، ويكتب لها الأشعار كل يوم، ويؤكد لها فيها غرامه وعشقه الأبدي لها.
وكانت المحبوبة تتتبع أخبار حبيبها كل ساعة، وما تكبده بسببها من عناء بعد غيابها، ورغبت بفطرة الأنثى أن تجربه، لترضي ذاتها بمدى ما يكنه لها حبيبها من عشق ووله.
خمس عشرة ليلة كاملة، تحملها العاشق بجهد يضني الفؤاد، أما في النهاية، فالحبيبة لم تستطع الاستمرار في التخفي والتدلل، فخرجت من مكمنها، وجاوبت حبيبها ببضع أبيات من الشعر، وطمأنته بأنها كما يعشقها تعشقه، وبأنها لن تبعد عنه ثانية أبداً، فهما قد خلقا لبعضهما، وبعد ذلك عادت مسرعة إلى أحضانه وهي سعيدة راضية.
من هذا الخيال، ظهرت هذه القصيدة، التي أرجو أن تنال الإعجاب.
--------------------------
*مِنْكَ المُشـْــــتَكَى وإِلَيْـــك*
(1)
أمَــــــــا تَصْبـِرُ يَا قَلـْبُ عمَّـنْ ســَــــــــــلَاكَا
قَدْ يَعُــودُ يَوْمَـــــــاً إلَيـْكَ يَبْغِـي رِضَــــــاكا
يُرِيدُكَ، لا يَنْسَــاكَ، ويَنْشُــدُ دوْمـَــــاً بَهَــــــــــــــــــــا كا
سَـامِحْهُ برَبِّكَ لأَجْلـِي وحَافِـظْ على هَــــوَاكا
عَســَـــــــــاكَ رَبِّي تُعِيْـدُه لـِـي عَســــَـــــــــــاكا
(2)
يـَا حُـبَّ عُمْرِي كَيْـفَ استَطَعْـتَ الرَّحِيـلا
لمْ يكـُنْ أمَـــــامَنــَــــــــــ ـــا للحُـبِّ ثَمَّ بَدِيـْــــــلا
كنـْتَ لي حُبــَّـــاً ومَلاذاً آمِنـَــــاً ودَلِيـْــــلا
مـَـازالَ قَلْبِـي هَائِمَـــاً بَيْنَ يَدَيْكَ ذَلِيْـــــــلا
عَسَـاكَ تَمْنَحُنِي مِنْ رَوْضِ حُبِّك ولَوْ قَلِيْـلا
(3)
ذَهَبْتُ شـَــرْقاً وغَرْبَـــاً وعُدْتُ إِلَيـْـــــــــكْ
لا أَرَى في دُرُوبِ حَيَاتِي سِــــوَى عَيْنَيـْــكْ
فإذَا اختفَيْتَ فَنُورُكَ سَاطِعٌ دَوْماً لَدَيـْـــــــكْ
يُنِيرُ طَريقِي ويَحْمِـلُ هَمِّي مِنْكَ إِلَيـْــــــــكْ
عُـدْ إليَّ حَنانَيْــــــــــكَ لـِيْ حَنَانَيْـــــــــــكْ
(4)
هـَـلْ ظَنـَنـْتَ أنـَّـكَ قدْ عَشــِـــقْـتَ سِــوَايـَـــا
وهَــلْ كَتـَبْــتَ لَنــَـا حَقَّـــاً بِيَدِكَ النِهَايـَـــــة
وأحْلامُنَـــــا ما عَادَ لَهَـا وَقْـعٌ ولا بِدَايــَـــــــــــة
وهلْ نـَــسِيتَ ما سَكَبْنَـا في قَلْبِنَا مِنْ حَكَايَا
غَرامُكَ قَدْ شَـقَّقَ قَلْبِي وتَمَدَّدَ في الحَشَـايَــا
(5)
أنْ تَعُـودِي لِـي هــُـــــــــوَ بـَيـْتُ القَصِـيـدْ
أَعِـيـشُ مُسْتَقْـبَلِي بماضِينـَــــــــا السَعِيـْــدْ
عَيْنـَـــاكِ هُمَـــا مَا أَسْعَى إِلَيْهِ ومَا أُرِيـْـــدْ
أُحِـــُّس أَنِّي خَائـِـرٌ دُونَهمَـــا وأَنِّي وَحِيـدْ
عُودِي إليَّ فَمَوْعِدُنَـا حُـبٌّ وعيـشٌ رَغِيـْـدْ
(6)
أمـَــا تَذْكُريـنَ لِقَـاءَنـَــــــا الأوَّلَ بالحَدِيْقـَـــة
أشـْـــجارٌ ورياحينَ وزهــورُ زنبقٍ رَقِيقَــــة
وكَيْفِ نَقَشْنَا اسـْـمَنَا عَلَى الصِفْصَافةِ العَتِيقَة
أحلامُ أطفالٍ قدْ لا تُشْــبِهُ بمُجْمَلِهـا الحَقِيقَـــة
حَياتـِي دُونَـكِ لَيْسَ لهَـا حَــلٌّ ولا طَرِيقَـــــة
(7)
طـَـــالَ مِنْـكَ البُعـَـــادُ وإليـْـــكَ المُشْـتَكَـــى
وحَبِيْبٌ ملَكَتْهُ يمينـُكَ ولِغَيرِ الـَّلـهِ ما اشْتَكَى
إنـِّي أصَبـِّر قَلْبِـي عَلى بُعــادِكَ وإِنْ بَكـَــــى
مَالَـكَ عَنِّي عَــاذلِاً وهُجْـرُكَ عُمْرِيَ أنْهَكَـــا
عُــدْ إلـيَّ فَحَياتـِــــــــي لا تَقْـوَى إلاَّ بـِـــــكَ
(8)
لـنْ أقْبـَـلَ فِيـْـكَ لَوْمَـاً ، كَـــلَّا ، ولا أعْـــذَارَا
سَـأَبْحَثُ عَنـْكَ الوِهَادَ والوِدْيانَ والبِحَــــارَا
وأَدُورُ في ظـِــــلِّ حُبــِّــكَ مِرَاراً وتِكـْــرَارَا
هَـذِي حَياتـِي قَدْ رَهَنْتُهـا لَكَ سِرَّاً وجَهَــــارَا
سَأَعِيشُ مُنْتَظِرَاً رُؤاكَ ولَنْ أَقْبَلَ فِيهَا خَسَارَا
(9)
يا نَسِيْمَــاً ذاعَ حَوْلِـي مِثْلَ لَحْــنٍ أوْ أُغْنِيـَّــة
يا غَرِيـدَاً قَدْ نَسَجْــتَ أيَّامِـــــي كـُلَّ أُمْسِيـَّـة
يَـامَنْ سَــبَـكْتَ حَيَـاتي وَجَعَلْتَهَـا لي بَهِيـــَّــــة
أُنادِيـْــكَ عَسَى يُعِـيـْدُكَ لي رَبُّ البَريــــــَّـــة
أنـادِيـْــكَ قَدْ صِـرْتُ دُونــَــكَ مِثْلَ اُحْجِيـَّـــة
(10)
أمـَــــــا تَرَيْـنَ كَمْ كُنــْـتِ غَالِيَـــــــــةً عَلَـيّْ
وكَمْ وَهَمْـــتُ أنْ تَبْقَـيْ دَائِمَــــــــــــةً لـَــدَيّْ
عُـــودِي إِلَــيَّ إِنـِّــي أُرِيْـدُكِ عُــودِيْ إِلـَـــيّْ
يا سَاحِرَةً، وجــودُك قـُرْبِـي شَــهِـيٌّ بَهـِــيّْ
بـِرَبـِّـكِ لا تَتْـرُكِيـْنِي إِنـِّي لـَـكِ مِحِـبٌّ وَفـِـيّْ
(11)
مـَـــــــاذَا بِمَقْـدُورِ غَـيْـــرِي أَنْ يُعْـطِيــــــكِ
خـَزِيــنُ حُـبِّ الدُنْيـَـــــا قـَدِ انْتَـهَـى إِلَيْــــــكِ
حَجـَــزْتُ كُــــلَّ العِـشْـــــقِ مَهْـــراً لعَيْنَيـْـكِ
هَيَّـــــأْتُ جِنـَـــانَ الأَرْضِ مُلْكَـــــاً لِيَدَيْـــــكِ
يــَــا أَمِيـْرَةَ حُبِّـــي قَـدِ انْفَطَـرَ قَلْبِـي عَلَيـْــكِ
(12)
أَمَــــــا تَرَيْ هَاتِيـْكَ الرُّبَـى شَهِـدَتْ هَوَانـَـــا
والنَرْجِـــسُ الأَصْفَـرُ أَزْهَـرَ حَقـَّــــاً لمَرْآنـَـا
وتَجَمَّعَتْ فُصُولُ العَامِ فَصَارَتْ رَبِيْعَ سَمَانـَا
وَهْيَ ذِي الأَرْضُ قَدْ أضْحَتْ وُرُودَاً ومُرْجَانَا
ما أَجْمَلَ الرَوْضِ ودُنْيَانـَا قَدِ ازْدَهَتْ بِنَجْوَانـَا
(13)
لا تَقْـسَ يَا قَـلْـبُ وتبحـثُ لـِيْ عَـنْ سِـوَاهَـا
إِنِّي أَعِيـــشُ بِذِكـْـرَى حُبِّهَــــــا وأَسَــاهـَـــا
ذِكْرَيـَـاتٌ غَلَّقَـتْ لِـيَ الأَبـْوَابَ أَنْ أَنْسَـاهَـــا
حَبِيْبَتِي تُحِيْطُنِي دَوْمَــاً بِصُبْحِهَـا وَمَسَاهـَـــا
إِيـَّاكَ يا قَلْـبُ أَنْ تُبْعِدَني لَحْظَـةً عَنْ سَمَاهَــا
(14)
سُبْحَانَكَ رَبِّي، إِنِّي عَشِـقـْتُ هَـذَا الحَـبـِيـْـبْ
أَعِـدْهُ لِـي سـَـــــالمِـاً يَا سَـــــــــــــــــــمِيْ عِـي يـَا مُجِـيـبْ
أَكـَـــادُ أَنْ أَضِيْعَ مِـنْ وَجْـدِي عَلَيْهِ أَوْ أَذُوبْ
أَدْعُوكَ رَبـِّي، قَـدْ حَاوَطَـتْنِي هَذِي الخُطُوبْ
ســأنتظِرُهُ كلَّ يومٍ مِنَ الإِشْرَاقِ حَتَّى المَغِـيْبْ
(15)
يا سَـــاكِنَ القَلْبِ صَدِّقْنِي لَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيـْـــكْ
أَيْنَ الفِرَارُ وَقَدْ رَهَنْتُ رُوْحِي وَقَلْبِي لَدَيْـــكْ
وكَيـْـفَ أهْــرُبُ بِـرَبـِّكَ مِــنْ مَـدَى عَيْنَيْـــكْ
فِراقُنـَــا قـَدْ قَـلَّــبَ الموازِيـْنَ لَدَيَّ وَلَدَيـْـــكْ
كَيـْفَ أَشُـــقُّ طَريقِي وَكِدْتُ أَذُوبُ عَلَيْــــكْ
(16)
حَبِيْبَ العُمْــرِ تَرَاني قَدْ تَدَلَّـلْــتُ عَلَيْكَ حِينـَـا
أَظَنـَنـْتَ أَنِّي هَجَرْتـُكَ وقَطَعْـتُ السَبِيْلَ فِيْنـَـا
عَشِـقـْتُـكَ وأنْتَ لي مُذْ أَنْ كُنـَّـا بَعْدُ طِيْنـَا
سـَــنَكـُـونُ رَمْـــزَ حُـبٍّ خَـــالدٍ لِمَـنْ يَلِيْنــَــا
وأَعُـــــودُ إِلَيْكَ . . إنَّما نَحْنُ بِحُبِّنـَــا ابتُلِيْنـَــا
----------------------------------------

رد مع اقتباس