أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قراءة في قصيدة فاصنع الفلك للدكتور سمير العمري

  1. #1
    الصورة الرمزية د. محمد حسن السمان مستشار المدير العام للشؤون الإدارية
    شاعر وناقد

    تاريخ التسجيل : Aug 2005
    المشاركات : 4,318
    المواضيع : 59
    الردود : 4318
    المعدل اليومي : 0.86

    افتراضي

    الأخ الحبيب الغالي الشاعر العربي الكبير الدكتور سمير العمري
    قرأت القصيدة مرات عدة , وقرأت كل ما قيل , بحق القصيدة والشاعر , وكم حاولت أن أكتب حيال ذلك , فلم أوفق , فالتيار الكهربائي يقطع فجأة وغالبا , دون سابق إنذار , ويضيع علي كل ما كتبت أو كان بذهني , لذلك جئت متأخرا , وأنا كمتابع لشعرك , معجبا متذوقا , أشعر بضرورة الاعتذار عن الكتابة المتأخرة .
    لعل هذه القصيدة من أروع ما باح به الشاعر العربي الكبير الدكتور سمير العمري , ابتداء من المطلع الإبداعي , مستخدما جملة من المتناغمات اللفظية النحاسية , ذات الوقع الصارخ :
    أَصُـــــدُوعُ الـصَّـقِـيــعِ بَــيْـــنَ الــضُّــلُــوعِ
    لتقودنا هذه اللمعة الجرسية العالية , إلى الإحساس والشعور الذي أحسه الشاعر :
    أَمْ بَـــقَـــايَــــا فُــــــــــؤَادِيَ الْـــمَــــوْجُــــوعِ
    كأننا نسمع صرخة تنبهنا للإحساس بما هو آت , تستصرخنا إلى التفاعل مع الحدث , هكذا هي الحركة الإنسانية , وهذا شكل واقعي , نلمسه في حياتنا , عندما يحدث أمر جلل , مدخل موفق للقصيدة , وليس من المحاباة إذا قلت بل هو مدخل ابداعي موفق , ثم يبدأ عرض سحابات الحزن والأسى , بطريقة حكيمة , تميّز بها معظم شعر العمري , مع الصور الشعرية الألقة :
    أَمْ شَــظَــايَــا تَــنَــاثَــرَتْ فِـــــــي الْـحَــنَــايَــا

    مِـنْ زُجَـاجِ الْأَمَـانِ فِــي حِـصْـنِ رُوْعِــي
    كم هو رائع هذا الربط بين البقايا والشظايا , مرة بشعور السكون , ومرة بشعور الحركية , تصيب الحصن المنيع , مستعرضا قوته النفسية الداخلية , وكأن أراد أن يبين كيف يغلبه الحزن , ثم ينتفض بين الإقرار بالحالة والغضب منها :
    لَــــكِ مَـــــا شِــئْـــتِ يَـــــا حَــيَـــاةُ فَــإِنِّـــي

    لَــــمْ أَنَــــلْ مِــنْــكِ غَــيْــرَ حُــــزْنٍ مُــرِيـــعٍ
    نعم لقد غلبته الحالة , بل ذهب عميقا بالدلالة , مسجلا حكمة شعرية , لمن يعيش أو يحس بالغلبة , ليستشهد بهذا البيت القوي , فعلى الرغم من السلاسة في الأداء , تبهرنا قوة التعبير , ثم يستطرد الشاعر بتوصيف الحالة :

    عَـافَـنِــي الـنُّـصْــحُ وَالْــمَــلَامُ فَــمَــا لِــــي

    مِــــنْ فَــــمٍ غَــيْــرُ صَـمْـتِــيَ الْـمَـسْـمُـوعِ
    وكيف أنه وصل إلى مرحلة , لم يعد فيها من فم يتكلم في الشعور الذي هو فيه , بعد أن عافه النصح والملام , ويتجلى الألق الشعري بقول الشاعر : فمالي من فم , غير صمتي المسموع , أية صورة شعورية هذه , ثم يصوّر الشاعر داخله بمقولة معروفة للصابرين المكابدين : هَــــذِهِ مُـهْـجَـتِـي جِــبَــالٌ مِــــن الـصَّـبْــرِ :
    هَــــذِهِ مُـهْـجَـتِـي جِــبَــالٌ مِــــن الـصَّـبْــرِ

    فَـضُـوعِـي فِــــي سَـفْـحِـهَـا أَوْ فَـضِـيـعِـي
    , ثم يتابع حزينا على نفسه , حزينا على ما وصل إليه :

    إِنَّــنِــي أَسْـكَـنْــتُ الْخَـفَـافِـيـشَ دَوحِــــي

    وَالْـعَـصَـافِـيـرَ فِــــــي كُـــهُـــوفِ بَـقِـيــعِــي
    وأية حركة إبداعية هذه , عندما الخفافيش , وهي رمز الفأل السيء , وهي التي تسكن الكهوف , تسكن عند الشاعر في دوحه , والدوح رمز الخير والفرح , أم العصافير والتي لها أن تسكن الدوح , صارت تسكن مكان الخفافيش , أية مأساة هذه , وأية شاعرية , ثم يطلق الشاعر زفرة حرى :
    عَـــــرَبِـــــيٌّ تَـــلَـــفَّــــعَ الْـــــعُـــــرْيَ خَــــــــــزًّا

    وَامْـتَــرَى الْـعِــزَّ مِــــنْ أَكُــــفِّ الْـخُـنُــوعِ
    وتبرع الشاعرية , من جديد , كيف يصور الشاعر ما آلت إليه الحال , وكيف أصبح العري ملبسا , بديلا للحرير وناعم الثياب , وكيف أن العزّ , صار يطلب من الأكف الخانعة التي لا خير فيها , وكل هذا بأسلوب بياني لافت , ثم ينتقل إلى صورة داخلية نفسية أخرى :
    أَشْــتَــرِي خِـنْـجَــرَ الـشِّــقَــاقِ وَأَهْـــــوَى

    طَـعْـنَ قَلْـبِـي وَأَشْتَـكِـي مِــنْ ضُـلُـوعِـي
    أية بلاغة هذه , عندما يستخدم الشاعر لفظة الخنجر , التي غالبا ما توحي بالغدر والخيانة , معقبا على اللفظة بالشقاق , امعانا في التبيين , ليطعن به قلبه , والقلب مركز العاطفة , والضلوع لاتحمي , بل هي مصدر آخر للألم , وكأن الشاعر يتأوه عندما يذكر انتماءه , المقرون بعمق بلواه , متذكرا بشكل غير معلن الأيام الناصعات من تاريخ الأمة , عندما يلتفت ليقول :
    وَأَلُــــــوكُ الــتَّــارِيــخَ أَنْـــسِــــجُ مَـــجْــــدِي

    مِــنْ نَـصِـيـعِ الـدِّثَــارِ لَا مِـــنْ صَنِـيـعِـي
    فاستخدم الشاعر لفظ يلوك , وهو المضغ المتكرر , وخاصة لبقايا غذاء سابقة , دلالة على التغني بالماضي المشرق , ليبني مجدا جديدا , من بقايا عفى عنها الدهر , لا مما يقدم ويصنع , في توقد شاعري رائع , صورة وبلاغة , وتوافق جرس , ولعلي وقفت طويلا وبإعجاب عند هذا الشطر :
    وَتَـطْــوِي الـشِّــرَاعَ قَــبْــلَ الــشُّــرُوعِ , متأملا بالصورة الداخلية , والتناغم اللفظي الموفق , بين الشراع والشروع , منتهى البلاغة والتألق , ثم أقف عند بيت مبهر رهيب , حيث يقول الشاعر :
    أَنَـــــا مِــــــنْ أُمَّــــــةٍ تَــعَــايَــتْ فَــأَعْــيَــتْ

    كَــــفَّ مُــوسَـــى وَمُـعْــجِــزَاتِ يَــسُـــوعِ
    كيف يصور الأمة , وكيف دب فيها الخور والمرض , بل هي التي أمرضت نفسها , وأية روعة في التعبير عن ذلك ( تعايت فأعيت ) , رهيبة هذه اللقطة الشعرية , صورة وجرس وبلاغة , ثم يتألق الشاعر , عندما يرى أن الأمة في ضعفها وخورها , أعيت وأفشلت يمين نبي الله موسى , ولأعيت وأفشلت معجزات السيد المسيح , بمعنى أن اليأس قد بلغ مبلغا , لا تصلح معه المعجزات , كناية ودلالة على عمق الخور , وحالة الحبط والتردي , ولا أجد أية غضاضة أو مأخذ على الشاعر , في هذا التوظيف الرائع , بل هو منتهى الابداع , وهنا أتذكر قولا من الشعر , يريد من خلاله الشاعر أن يظهر البركة , فيقول :
    كل رغيف أهله تسعة ــــــــ لكأنما صلى عليه المسيح
    هل يصح أن نتهم الشاعر بالخروج عن منطوق اسلامنا وديننا , أما استخدام الشاعر للفظة يسوع , وهي كما قرأت في خضم التعليقات على هامش القصيدة , بأنها لفظة غير إسلامية , فلا أرى أيضا اية مشكلة في هذا , هكذا يطلق عليه البعض , واللغة ليست وقفا على أحد أو جماعة .

    للقراءة بقية .

    د. محمد حسن السمان

  2. #2

المواضيع المتشابهه

  1. فاصنع الفلك
    بواسطة د. سمير العمري في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 105
    آخر مشاركة: 04-12-2018, 01:31 AM
  2. قراءة في قصيدة المبادئ والمواقف للدكتور سمير العمري
    بواسطة براءة الجودي في المنتدى قِسْمُ النَّقْدِ والتَّرجَمةِ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-07-2018, 07:35 PM
  3. فاصنع الفلك
    بواسطة د. سمير العمري في المنتدى دِيوَانُ الشِّعْرِ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-12-2015, 02:51 PM
  4. قراءة في قصيدة المبادئ والمواقف للدكتور سمير العمري
    بواسطة براءة الجودي في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 28-11-2013, 09:12 PM
  5. قراءة في قصيدة "الأخوة نهج" للدكتور سمير العمري
    بواسطة وائل محمد القويسنى في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 05-05-2013, 11:14 PM