أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: لا شرقية ولا غربية .. قصة / محمد محمود شعبان

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد محمود محمد شعبان أديب
    تاريخ التسجيل : Jan 2012
    المشاركات : 2,154
    المواضيع : 153
    الردود : 2154
    المعدل اليومي : 0.77

    افتراضي لا شرقية ولا غربية .. قصة / محمد محمود شعبان



    كانت جنازة ( لين بسادة ) مهيبة، في الكنيسة لم يسمحوا للجميع بالدخول، لكنه استطاع الجلوس لإلقاء النظرة الأخيرة عليها، دقق في كل تفاصيل وجهها الجميل، لم يصدق يوما أن الظروف ستسمح له بالاقتراب منها لهذا الحد وهي وسط هذا الحشد من أهلها ومحبيها، سنتان من الحب والاستلطاف، تماهى مع إحساسه فتأكد أن كل النظرات والابتسامات كانت له هو، ظلت فترة طويلة تحاول التقرب والتودد ولفت نظره، لكنه كان يمر مرورا عابرا غير عابئ بملابسها القصيرة أحيانا والطويلة المجسمة أحيانا، وشعرها الأسود اللامع، كانت قَصَّةُ شعرها لا تتغير، أسود وبه خصلات مصبوغة بالأحمر الناري، باستمرار بعض الخصلات مدلاة من الأمام على صدرها، وبعضها لنعموته ورشاقته الفائقتين عن الحد ترسله من الحين للآخر للخلف، تُزيد وجهَهَا قبولا وبراءة ـ وهي العشرينية البضة المرحة النابضة بالحياة ـ ابتسامتُها التي لا تفارقها وترتسم دائما على شفتيها الناعمتين الممتلئتين المضمومتين بنعومة وغنج، تشبهان تماما هاتين الشفتين الحمراوين المرسومتين على ( المج ) الذي يتناول فيه شاي الصباح يوميا مع قطعتين من الكرواسو المحشو بالشيكولاته، وجهها كنجمة سينمائية بلا عمليات تجميل، هذا ظاهر وواضح ويسهل اكتشافه هذه الأيام جدا.. كل هذا الجمال لم يكن يلفت انتباهه، ساعد في جذب انتباهه التقاؤه بها مرة في الفترة النهارية قبل أن ينخرط في هموم أعماله اليومية والأخبار التي تثير الأعصاب، والتكليفات الحياته التي تكاد تقصم كاهله الشائخ، تأكد أن هذه الابتسامة الرقيقة له، وأن هذه النظرة الجريئة الطالة من عينيها البنيتين البراقتين له، وتلك الملابس المتأنقة المتناسقة له وللفت انتباهه هو لا غيره، توقف، نظر إليها نظرة طويلة، تابع نظراتها الذكية، التفاتاتها محسوبة بدقة تخطف العيون والألباب، بدأ يتساءك لمَ تحاول تلك الفتاة أن تلفت شيخا خمسينيا مثله؟ ، ما الذي قد يجذب كل هذه الأسلحة الأنثوية الفتاكة لمثله؟ ، وها هو الشيب قد اشتعل منذ فترة طويلة في رأسه، وبعض الانحناء المصاحب لآلام الديسك والمفاصل ألم به، والرعشة الخفيفة التي بدأت تدب في يده اليمنى فيواريها بوضعها في جيب بنطاله دائما، ثم اهتدى لسبب أقنعه وهو أن بعض الفتيات الجميلات يبحثن عن الكبير الخبير بالحياة، ولأن لديه من الحنو والعطف ما لا يملكه الشباب الطائش، كما اعتقد أن القدر ربما أراد مكافأته بعد كل هذا العمر الطويل فأرسل له تلك الحسناء المتفردة؛ لتعوضه عن كل سني الحرمان التي عاشها مع ( أم مصطفى ) .. تذكر زواجه ـ كرجل شرقي ـ زواج الصالونات والذي فُرِضَ عليه فرضا؛ خوفا من تأخر قطار الزواج أهو السبب في هذا البرود العاطفي بينه وبين أم مصطفى؟،ربما، وربما أن الحياة بكل أثقالها وأعبائها همكت ( أم مصطفى ) فنسيت أنها أنثى ولزوجها عليها حقا، فترهل عودها، وتجعدت سحنتها، وتنام والمطبخ بروائحه ونكهاته معها على السرير، وإن كان هذا هو السبب فلا شفقة عليك ـ يا أم مصطفى ـ وتستحقين كل ما يحدث لك .. أما هو فلم يفوت تلك الفرصة التي ظن أنه ضيعها في شبابه، وبسرعة تابع ( لين )، فنمت بينه وبينها علاقة عاطفية تطورت للحميمية في كثير من الأحيان، شاهد (لين) في كل مكان تظهر فيه، لم يخش شيئا، في عملها، في النادي، في بيتها، حتى في لقاءاته الحميمية مع أم مصطفى كان لا يرى سوى ( لين )، ولا يفكر في غيرها، رأى أن بقاء لين بجواره هو الحل، فتلك اللقاءات الحميمية السرية الخاطفة ـ التي لا يعلم بها إلا الله وحده!! ـ لم تعد ترضيه وتشبعه، لذا تغذت فكرة الزواج من ( لين ) على عقله، إلا أنه وجد معوقين ربما لا يجعلان هذا الزواج ممكنا، الأول ( زهرة إيزاك ) صديقة ( لين ) التي تلازمها باستمرار، ولا تُشاهَدُ ( لين ) إلا وهي معها، وصلته أخبار أن ( زهرة ) تكره ( لين ) ـ وإن كانت تظهر دائما مبتسمة في وجهها ـ كما أنها تحاول خطفه لنفسها وتحرم القلبين الحالمين من المتعة والراحة، كما أن أسلوب ( زهرة ) في الحديث إما متكلف حينا، وإما ركيك حينا، لا تدرك بواطن الموضوعات التي تتحدث فيها، ويخشى أن تؤثر شخصيتها السطحية على ( لين )، الثاني والأهم يكمن في أهل ( لين ) أنفسهم، فهم بمساحة كبيرة من التحرر الغربي ما جعلهم يسمحون لابنتهم أن تظهر بهذه الهيئة المخاصمة للعادات والتقاليد الشرقية، لكنه متأكد أنهم لن يقبلوا زواجها منه، ليس لفارق السن الكبير، وإنما لاختلاف الديانة.. أكيد .. في قرارة نفسه أيضا يرى ( لين ) تحبه ، ولا يراها رافضة الزواج منه، لكن ربما تحوَّل هذا الحب بقدره كراهية؛ لأنها قد تفيق ذات يوم على حقيقة أنه تسبب في هجرها أهلها وبعدهم عنها. أمر آخر لم يفكر فيه ذلك المسكين، وهو فارق السن، فـ ( لين ) بعد فترة ستكون ما زالت في عنفوانها وهو هَرِمٌ قد تحول هيكلا عظميا، وعندها لا بكت عليه السماء والأرض إن كان ما ألم به ( فراغة عين ) أو مراهقة متأخرة.. وبغض النظر فكل ذلك لم يلفت تفكيره عن الزواج منها، كل ما أكده خياله أن الحب يصنع المعجزات ويتغلب على كل المعوقات. حتى أتاه خبر وفاتها المفاجئ والصاعق في حادث سيارة مروع مع خطيبها ( مايكل جورجي) الشاب الوسم الثري أغنى أغنياء تجارة الذهب، ذي الطلة البهية على أغلفة مجلات مشاهير المال والأعمال، أثناء عودتهما من قضاء عطلة نهاية الأسبوع في بيتها الفخم بريف لبنان الساحر .. وبعد ثلاثة أيام من توديع الجماهير للـ ( لين بسادة ) مذيعة البرنامج الصباحي ( الدنيا حلوة ) على قناة ( حياة ) اللبنانية، والذي كانت تقدمه بمشاركة ( زهرة إيزاك ) . عاد لمشاهدة البرنامج، وفي يده ( مج ) الشاي المميز والكرواسو بالشيكولاته .. كانت ( زهرة ) من قبل تبدو بجوار ( لين ) أقصر، لكن الآن تبدو أفضل، جسمها ممتلئ بعض الشيء، لكنه أحبها بعدما انفردت بتقديم البرنامج.



    أسعدني بإضافة facebook
    mohammad shaban

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 13,336
    المواضيع : 183
    الردود : 13336
    المعدل اليومي : 5.14

    افتراضي

    مذيعة البرنامج الصباحي ( الدنيا حلوة) على قناة ( حياة ) اللبنانية
    فهل معنى هذا إن كل تلك العلاقة التي توهمها هى من صنع خيال الرجل الخمسيني
    والذي يطمع في تغيير ( أم مصطفى) التي ترهل عودها، وتجعدت سحنتها فأصبحت لا تملأ عينيه وأصبح يحلم بتلك الفتاة العشرينية التي أسالت لعابه بملابسها وخصلات شعرها ـ وهى البضة المرحة النابضة بالحياة، والتي تخطف بنظراتها الذكية العقول والألباب.
    وهاهو بعد موتها بثلاثة أيام يعود لمشاهدة البرنامج الذي كانت تقدمه بمشاركة ( زهرة إيزاك) وبما أنها لم تعد موجودة فقد بدأ ينظر إلى زهرة ويحبها بعد ما انفردت بتقديم البرنامج.

    قصة رائعة ـ بناء سردي مميز، وأداء جميل زانه تمكن من الفكرة
    أسلوبك سلس جذاب متقن ، والقفلة رائعة بمباغتتها
    أبدعت ـ بارع أنت وقلمك
    تحياتي وكل تقديري.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي