: ذاكرةُ الضوءِ
كانتْ خيوطُ الضوءِ تسقطُ من ثقبٍ ضيّقٍ في الستارةِ، كأنَّ الصباحَ يحاولُ أن يتسلّلَ إلى حياتِهِ بخجلٍ قديمٍ. ارتفعَ الغبارُ في الحزمةِ الخافتةِ، يدورُ ببطءٍ يشبهُ دورانَ الذكرياتِ حينَ تُنبَّهَ من سباتِها، لا تُرى كاملةً، لكنها تُشعِرُ القلبَ بأنَّ شيئاً ما كانَ هنا وتركَ أثرَهُ ورحلَ.
جلسَ وحدَهُ، وداخلَ قلبِهِ شيءٌ يذكرُهُ بارتباطٍ لم يفهمْهُ الناسُ، ظنّوا أنها مجردُ "خِطبةٍ"، بينما العقدُ اكتملَ، وما بينَهُما أصبحَ أعمقَ من أيِّ كلمةٍ. كانَ يعرفُ – دونَ أن يجدَ الكلماتِ – أنَّ الأمرَ أبعدُ من التسميةِ، وأنَّ العلاقةَ لم تكنْ وعداً للمستقبلِ بقدرِ ما كانتْ مرآةً لما لم يجرؤْ على رؤيتِهِ في نفسِهِ.
كانتْ لحظاتُهُ معها تمرُّ في ذهنِهِ كأنها تُعادُ من زمنٍ آخرَ، لا تأتي بترتيبٍ منطقيٍّ، بل كخفقاتٍ لا تعرفُ انضباطاً. لحظةُ ضحكتِها، ظلُّ يدِها وهي تمرُّ من أمامِ الضوءِ، النظرةُ التي أربكتْهُ دونَ أن تقولَ شيئاً... كلُّها تعودُ الآنَ بالقدرِ نفسِهِ من الغموضِ، كأنَّ الزمنَ لا يكتفي بأنْ يكونَ ماضياً، بل يصرُّ أن يبقى حيّاً بطريقةٍ لا تُفسرُ.
ولم يكنِ الألمُ واضحاً ولا حاداً، بل خافتاً مثلَ الضوءِ الذي يتسللُ دونَ أن يطلبَ الإذنَ. كانَ يعلمُ أنَّ شيئاً تغيّرَ فيهِ بعدَ تلكَ التجربةِ، شيءٌ لا يرى الناسُ سطحَهُ، لكنهُ يشعرُ بهِ بثقلٍ عميقٍ- الثقلِ الذي يجعلُ المرءَ يشيخُ داخلياً دونَ أن يتقدَّمَ في العمرِ.
ولم يكنْ يبحثُ عن تبريرٍ. كلُّ ما أرادَهُ هو أن يفهمَ: لماذا تنجو بعضُ اللحظاتِ من النسيانِ بينما تتبخرُ سنواتٌ كاملةٌ؟ ولماذا تظلُّ صورةٌ واحدةٌ- من بينِ آلافِ الصورِ- قادرةً على أن توقظَهُ، تذكّرَهُ، وتُعيدَ ترتيبَ فوضاهُ من جديدٍ؟
في الغرفةِ الساكنةِ، وبينَ الغبارِ الذي يرقصُ فوقَ حافةِ الضوءِ، شعرَ بأنَّ الأشياءَ الصغيرةَ هي التي تُفشي سرَّ الإنسانِ، لا الأحداثُ الكبيرةُ، بل تلكَ الومضاتُ العابرةُ التي تُصنعُ في صمتٍ لا يسمعُهُ أحدٌ، وتظلُّ داخلهُ تتردَّدُ كرجعِ خفقةٍ لم تكتملْ.
فإذا قبضَ الوعيُ على اللحظةِ حضرَ حقيقةً لا وهماً ولن تكونَ لقمةُ الضياعِ سائغةً حينَ ذاكَ.
طيفُها تسللَ إليهِ، نفسٌ مألوفٌ يُعادُ استنشاقُهُ. تذكّرَ أولَ نظرةٍ لها في المكتبةِ، وهي جالسةٌ بهدوءٍ يشبهُ صلاةً سريّةً، وكأنَّ الريحَ توقفتْ لتصغيَ لصمتِها. صوتُها حينَ نطقتْ، يتسربُ مثلَ المطرِ على الزجاجِ النديِّ، أقامَ جسراً في أعماقِ قلبِهِ لم يبلغْهُ أحدٌ من قبلُ. كانَ يعلمُ أنَّ روحَهُ، التي ضاعتْ في متاهاتِ البحثِ طويلاً، قد وجدتْ بوصلتَها الأخيرةَ. لم يعدِ الأمرُ مجردَ حبٍّ، بل سكونٌ داخليٌّ اكتشفَهُ للمرةِ الأولى، إحساسٌ بأنَّهُ لم يعدْ وحيداً أمامَ العالمِ.
في شرفةِ الشركةِ، المدينةُ تتلوّنُ بأشعةٍ ذهبيةٍ، مدَّ يدَهُ، أمسكتْها. معاني الحبِّ تُسكبُ في عينَيْها بلا كلماتٍ، خوفُهُ من الارتفاعِ يزولُ، وصمتُها يقولُ لهُ: «أنا أراكَ». المطرُ انشقَّ فجأةً في الممرِّ الخارجيِّ، ركضا معاً، المعطفُ يعلو فوقَ رأسِها، وهي تثبتُ أطرافَهُ كي لا يطيرَ. ابتسما معاً، فهموا أنَّ الحبَّ يُقاسُ بما يُحتملُ، لا بما يُعطى.
في حديقةِ الشركةِ، قربَ نافورةٍ خافتةٍ، كلٌّ منهُما يحملُ همَّهُ كحجرٍ في اليدِ. قالتْ: «كلُّنا نحملُ ما يُثقِلُنا.» قالَ: «ما أثقلَهُ أحملُهُ معكِ.» تركا الحجارةَ في مكانِها، ارتطامُهُما كانَ اعترافاً صامتاً: من يحبُّ يُشاركُ أثقالَهُ.
في اليومِ التالي، حدثَ حريقٌ محدودٌ في زاويةِ الممرِّ. قفزَ باحثاً عنها، لفَّها بمعطفِهِ وأبعدَها عن الخطرِ، ثمَّ خرجا إلى الضوءِ، وهو يحملُها بينَ ذراعيهِ كقصيدةٍ خائفةٍ. لحظةٌ تثبتُ أنَّ لا شيءَ يُخيفُ من أحبَّ- إلا فكرةُ الفقدِ.
تجولا في الحديقةِ، قطراتُ المطرِ تتساقطُ خفيفةً منذُ الأمسِ، كنبضاتِ قلبٍ مشتركةٍ. دخلا وجلسا على الشرفةِ المطلّةِ على الحديقةِ، والمدينةُ تغرقُ في ألوانِ الحياةِ المتشابكةِ كالضوءِ. مسحتْ شعاعَ المطرِ المتبقي في وجهِها، وأمسكَ يدَها: «أنا أراكِ- وأحملكِ معي في كلِّ خطوةٍ، حتى حينَ يكونُ العالمُ بعيداً.» صمتٌ تامٌّ. كلُّ ألمٍ، كلُّ انتظارٍ، أصبحَ جزءاً من قصةٍ أكبرَ، تبدأُ هنا، حيثُ الحبُّ ليسَ وعداً فقطْ، بل جسرٌ من خيوطِ ضوءٍ ممتدٍّ فوقَ كلِّ ما هو مُظلِمٌ، جسرٌ يُبنى من كلِّ لحظةِ صمتٍ، كلِّ لمسةٍ، وكلِّ ابتسامةٍ.
الساعةُ لم تكنْ موجودةً هنا، ولا اليومُ نفسُهُ. كلُّ شيءٍ متداخلٌ: صوتُ المطرِ في الممرِّ، ضحكةٌ كانتْ بالأمسِ، لمسةٌ قبلَ زمنٍ، كلُّهم معاً الآنَ في غرفةٍ صغيرةٍ تُضيئُها حزمةُ ضوءٍ خافتةٍ تمرُّ من شقِّ الستارةِ.
أراهُ يُراقبُ الغبارَ كما لو كانَ يُراقبُ نفسَهُ، كلُّ جسيمٍ يتراقصُ، كلُّ ذرّةٍ تحملُ ذكرى. تذكّرَ أولَ مرةٍ صادفَها في الممرِّ، لم يكنْ يعرفُ إذا كانَ قلبُهُ قد توقفَ عن الخفقانِ أم مجردَ وهمٍ. كلُّ شيءٍ حدثَ في نفسِ اللحظةِ، ثمَّ اختلطَ: وقعُ المطرِ، وقعُ الحجرِ الذي رماهُ منذُ زمنٍ بعيدٍ، وقعُ صمتِها الذي جعلَهُ يشعرُ بأنَّهُ يعرفُها أكثرَ من نفسِهِ.
هنا، على الشرفةِ، يداهُ ترتجفانِ من شيءٍ غيرِ البردِ، شيءٌ لا يُسمّى، شيءٌ في داخلِهِما معاً. هي تضحكُ على شيءٍ صغيرٍ لم يسمعْ أحدٌ صوتَهُ، وهو يبتسمُ بلا سببٍ، مجردُ وجودِها يكفي. كلُّ الماضي، كلُّ الخوفِ، كلُّ الانتظارِ، يصبحُ فجأةً قصيدةً غيرَ مكتوبةٍ، تُصاغُ في الهواءِ بينَهُما، بينَ الأنفاسِ، الملامسِ، والنظراتِ العابرةِ.
ثمَّ يتحركُ المشهدُ إلى ربوةِ الحديقةِ، قطراتُ المطرِ ما زالتْ تضربُ أوراقَ الشجرِ، كلُّ قطرةٍ كنبضةِ قلبٍ، كلُّ ضحكةٍ تشبهُ توقيتَ المطرِ على الزجاجِ، كلُّ خطوةٍ متصلةٌ بالتي سبقتْها. هنا يتداخلُ الآنَ والماضي والمستقبلُ: لا فرقَ بينَ لقاءٍ سابقٍ ولقاءٍ لاحقٍ، كلُّ لحظةٍ تحوي كلَّ اللحظاتِ الأخرى.
وفي النهايةِ، يقفانِ على حافةِ الضوءِ والظلِّ، يداهُما متشابكتانِ، وداخلُ كلٍّ منهُما شعورٌ بالحمايةِ والخوفِ والحبِّ كلُّهُ في آنٍ واحدٍ. لا كلماتٌ، مجردُ رؤيةٍ، مجردُ شعورٍ: كلُّ شيءٍ يحدثُ، وكلُّ شيءٍ حاضرٌ، وكلُّ شيءٍ لهُ معنى دونَ أن يحتاجَ تفسيراً.
وفي المقابلِ، كانَ صفوانُ في شريكة الوادي يصَارعُ طواحينَ الهواءِ، مُدرِكاً أنَّ هذهِ الحقيقةَ- التي أشرقتْ فجأةً-- لن تنجوَ إلا بالقتالِ ضدَّ الخيانةِ المُحكمةِ التي تضربُ في عُمقِ اليقينِ.
شهادةُ الماء
كانتِ الليالي تُسقِطُ حروفَها تباعاً على حائطِ وعيِ صفوانَ المتهالكِ- فليسَ كلُّ سقوطٍ نهاية، بل بدايةٌ لمعرفةٍ مؤلمة. لم يكنِ الشكُّ في المالِ هيّناً. الشكُّ في المالِ يختلفُ عن أيِّ شكٍّ آخر، يقتلُ الوجودَ كلَّهُ ويجرِّدُكَ من ظلِّكَ.
بدأتْ أرقامُ "الوادي" تتسرَّبُ إليهِ كالسّمِّ المُنقَّط. لم تكنْ مجردَ اختلافاتٍ محاسبية، بل كانتْ هياكلَ من العبثِ المُتَّفقِ عليهِ. صارَ يرى بقعاً سوداءَ في دفاترِ الشركةِ التي كانَ مساهِماً كبيراً فيها. الأموالُ كانتْ تُسحَبُ في شكلِ حركاتٍ ذكيةٍ جداً- ليستْ غسيلاً عادياً، بل صياغةٌ ماليةٌ مُعقَّدةٌ، تتبدَّلُ فيها الأرقامُ وتتبخَّرُ الأصولُ بينَ يومٍ وليلة.
أدركَ صفوانُ أنَّ حسامَ الخبيرَ الاقتصاديَّ ومُديرَ إدارةِ "الروابي"- وزوجتَهُ ناهد- كانا يستخدِمانِ موقعَهُ كمُحامٍ للشركتَينِ لتوحيدِ عملياتِ السحبِ والتلاعبِ. لقد كانَ صفوانُ بالنسبةِ لهما مجرَّدَ درعٍ قانونيٍ وقناةٍ شرعيةٍ لتمريرِ المصائبِ.
بدأ صفوانُ بجمعِ الأدلَّةِ في سرّيةٍ مُطلقة، ينسخُ الوثائقَ ويُراقبُ الحركاتِ، مُدرِكاً أنَّهُ تحوَّلَ من مُساهمٍ مُطمئنٍ إلى صيَّادٍ يائسٍ يُطارِدُ الأشباحَ في شركةِ الوادي. هذا الاكتشافُ لم يُولِّدْ لديهِ خوفاً- بل غضباً صافياً، جعلَهُ خطراً وجودياً على خططِ التلاعبِ. فالمساهمُ المُكتشِفُ للسرِّ- أخطرُ ألفِ مرَّةٍ من حسامَ وناهدَ اللذينِ يعرفانِ السرَّ سلفاً. المستقبلُ صارَ رهنَ وثيقةٍ قديمة، والماضي لم يكنْ سوى وهمٍ مُرتَّب، أمّا الحاضرُ فكانَ مونولوجاً طويلاً عن ثمنِ المعرفةِ.
كانَ دفترُ الأستاذِ يتحوَّلُ في عينَيْ صفوانَ إلى كلماتٍ صامتةٍ تُخطئُ كلَّ يقين. فحسامُ وناهدُ- كانا يتصرَّفانِ وكأنَّ "الوادي" ليستْ سوى واجهةٍ مطاطية، تُمَدُّ وتُقصَرُ حسبَ حاجةِ تلاعبهما. كانتْ ناهدُ- ذاتُ الابتسامةِ الهادئةِ- هي العقلُ المُنظِّمُ للتفاصيلِ في "الوادي"، وحسامُ- المُدبِّرُ الخبيرُ- هو اليدُ المُنَفِّذةُ والضامنةُ لتغطيةِ المساراتِ من "الروابي".
تلكَ اللحظةُ- حينَ أغلَقَ صفوانُ ملفَّ الحساباتِ المُسرَّبِ- لم تكنْ لحظةَ غضب، بل كانتْ لحظةَ تباعدٍ في الوعي: لم يعدْ يرى ناهدَ وحسامَ كأشخاصٍ بل كآلاتٍ مُصمتةٍ للنهب. تحوَّلَ صفوانُ إلى مُحقِّقٍ سرِّيٍّ على أموالِهِ، يُطارِدُ خيوطَ تلاعبهما مُدرِكاً أنَّ مُجرَّدَ اكتشافِهِ لسرِّ السحبِ، يجعلهُ هدفاً يجبُ تصفيتُهُ قبلَ أن يُقدِّمَ هذهِ الأدلَّةَ إلى الجهاتِ الرسمية.
تسلَّلَ حسامُ- المستشار المُتلاعبُ - إلى مكتبِ صفوانَ ذاتَ صباحٍ مُتأخِّر. لم يكنْ حسامٌ يحملُ لغةَ الإدارةِ المعهودةِ؛ بل كانَ يحملُ بشاعةَ القناعِ الذي انزاحَ قليلاً.
"هناكَ بعضُ الأمورِ المُعطّلة، صفوان. هل بدأتَ- على سبيلِ المثالِ- التدقيقَ في كلِّ حرفٍ وكلِّ رقمٍ في حساباتِنا؟"
رمقَهُ حسامُ بنظرةٍ مُطوَّلةٍ- نظرةٌ اخترقتْ تظاهُرَهُ بالجهلِ. "أخشى أنَّ المُشكلةَ ليستْ تقنيةً، بل هي تذبذبٌ في الثقةِ يا صفوان. الإفراطُ في اليقظةِ قد يخلقُ شكوكاً لا ضرورةَ لها، خاصةً حينَ يتعلَّقُ الأمرُ بمن وثقتَ بهما سنوات."
لم ينتظرْ صفوانُ كثيراً حتى يرى الضلعَ الثانيَ من التهديد. دخلتْ ناهدُ- زوجةُ حسام والشريكةُ في الخيانةِ- إلى مكتبِهِ. "أخبرني حسامُ أنَّكَ تشعرُ ببعضِ القلقِ تجاهَ الأرقامِ يا صفوان؟" قالتْ ناهدُ بصوتٍ هادئٍ جداً. "التدقيقُ المُكثَّفُ يفتحُ الأبوابَ على أسئلةٍ نحنُ في غنى عنها، أسئلةٌ قد تُعرِّضُ سُمعتنا للشكِّ. أتمنى أن تُركِّزَ على الصورةِ الكبيرةِ، لا على هوامشِ الظنون."
الآنَ أصبحتْ الرسالةُ واضحةً تماماً: توقفْ عن البحثِ في تفاصيلِ سحبِ الأموالِ وإلا سنبدأُ نحنُ في التشكيكِ في سُمعتكَ. أدركَ صفوانُ أنَّ ناهدَ وحسامَ ليسا مُجردَ خائنَينِ؛ بل هما جزءٌ من استراتيجيةِ التلاعبِ التي تهدفُ إلى تدميرِهِ.
بقيَ صفوانُ مُعلَّقاً بينَ زَمنَين. اتَّخذَ مسارَ التسلُّلِ الهادئ. بدأ بتأمينِ النسخِ الأصليةِ من الوثائقِ التي تُدينُهما- نسخاً ورقيةً ورقميةً- وخبَّأها في مكانٍ لم يكنْ ليتوقَّعَهُ أحدٌ. كانتْ عينا صفوانَ لا تَنزِعانِ عن شاشةِ التتبُّعِ البنكيِّ- يُراقِبُ حركةَ سحبِ الأموالِ.
تسلَّلَ صفوانُ ليلاً إلى مكتبِ "الوادي"، مُنَفِّذاً عمليةً استخباراتيةً لإنقاذِ ما تبقَّى من حقيقتِهِ. كانَ هدفُهُ تحديداً هو نظامُ النسخِ الاحتياطيِّ المركزيِّ. استخرجَ القرصَ الصلبَ الذي يحوي النسخةَ الذهبيةَ لسجلِّ الشركةِ بأكملهِ. تلكَ اللحظةُ كانتْ انتصاراً نفسيّاً على الاستراتيجيةِ المُتلاعبَة. أصبحَ لدى صفوانَ الآنَ سلاحٌ أقوى من المالِ: الدليلُ الذي لا يُمكنُ دحضُهُ.
لكنَّ صفوانَ أدركَ أنَّهُ يخوضُ حرباً ضدَّ مجموعةٍ مُتكاملة. كانَ عليهِ أنْ يُراجعَ أفعالَهُ كمُحامٍ للشركتَينِ، مُتسائلاً كيفَ مرَّرَ هو نفسُهُ قراراتٍ قانونيةً سمحتْ بهذا التلاعبِ. أدركَ أنَّهُ- بحُكمِ موقعِهِ- هو مَنْ سدَّ الثغراتِ القانونيةَ لهم دونَ أنْ يعيَ، مُحصِّناً عملياتِ السحبِ بأسبابٍ قانونيةٍ مُعقَّدةٍ تُضيِّعُ الحقيقةَ. لقد كانَ الضحيةَ والآلةَ القانونيةَ في آنٍ واحدٍ.
لم يطُلْ صمتُ ناهدَ وحسامَ بعدما اكتشفا فقدانَ النسخةِ الاحتياطيةِ. كانَ الصباحُ التالي في "الوادي" مُثقَلاً بالصدمةِ المُتجمِّدة. أدركا أنَّ صفوانَ يمتلكُ الآنَ القوةَ الشرعيةَ لإسقاطِهما.
"لقد تجاوزَ كلَّ الخطوطِ،" همستْ ناهدُ لزوجها حسام. "لا يمكنُ أن نُقدِّمَ لهُ فرصةَ الهجومِ. علينا أن نُفَعِّلَ استراتيجيةَ الشكِّ العكسيِّ."
"سنُفَعِّلُ ملفَّ التشكيكِ في الموثوقيةِ،" قالَ حسامُ بهدوءٍ مُخيف. "سنُظهِرُهُ أمامَ بقيةِ المُساهمينَ كشخصٍ يُعاني من هواجسَ عميقةٍ تجاهَ الأرقامِ، وسنبدأُ في تقويضِ كلِّ قرارٍ قانونيٍ اتّخذَهُ مؤخراً. يجبُ أنْ يجدَ نفسَهُ في معركةِ إثباتِ سلامةِ عقلِهِ لا إثباتِ خيانتِنا."
نظرتْ إليهِ ناهدُ: "إمّا أنْ نُبقِيَهُ مُنشغلاً بـمعركةِ البلافِ الزائفةِ ونُنهيَ وجودَهُ تدريجياً عبرَ خسارتِهِ للثقةِ، أو أنْ نتركَهُ يجمعُ أدلّتَهُ ويُسقِطُنا. علينا أنْ نُبقِيَهُ مُعلَّقاً بينَ الشكِّ والجنونِ."
في تلكَ اللحظةِ- أدركَ صفوانُ أنَّهُ لم يعدْ يُقاتلُ من أجلِ المالِ، بل يُقاتلُ من أجلِ بقاءِ عقلِهِ وسلامتِهِ. كانتْ هذهِ هي البدايةُ الحقيقيةُ للمؤامرةِ التي ستهدمُ عالَمَهُ

رد مع اقتباس

