10-ارتِباك الهُوِيَّة، في مَنفى الاغتِراب
كانت الغُرفةُ بَياضًا مُطلقًا يمتصُ الصَوتَ والوُجوهَ، ليسَ بياضَ السَلام، بل بياضَ التَطهيرِ القَسريّ. لبنى تتكوّرُ على أريكةٍ جِلدية، تُحاولُ تَعقُبَ الخَيطِ الذي يربطُها بأيِّ "أمس" حقيقيّ. هل كانت تلكَ هيَ؟ تلكَ التي عَشقت الموسيقى، أو تلكَ التي ركضت خلفَ مُعضلاتِ الإحصاءِ الحيويّ؟ الأصابعُ الآنَ تضغطُ على شاشةٍ، حِرفيّةٌ باردةٌ في مُتابعةِ ملفاتٍ رقميّةٍ لا تنتهي، كأنَّ الجَسدَ أصبَحَ مُجرّدَ غِلافٍ خارجيٍّ لبرنامجٍ يعملُ في الخفاء.
همسٌ داخليٌّ يوشوشُها: مَن أنتِ الآن؟ أيّةُ شِفرةٍ تَحكُمُ هذا التَدفُقَ المَجنونَ للمعلوماتِ في الرأس؟
نَظرَت إلى زاويةِ الغُرفةِ، هناكَ حيثُ الضوءُ الاصطناعيُّ يُعري الجدرانَ، شعرتْ بأنَّها مُراقبةٌ، ليسَ بالعينِ بل بالخوارزميّة. كانتْ تعلمُ أنَّها لم تعدْ لبنى التي تَعرِفُ، بل نُسخةٌ مَعدَّلةٌ، مُطوَّرةٌ، خاضعةٌ لمَنهجِ الاغتِرابِ الذي لم تخترهُ يومًا. كانتْ تلكَ الـ "أنا" القديمةُ قد انزَلقتْ إلى الماضي، إلى ذاكرةٍ مُشوَّشةٍ، مثلَ بثٍّ تلفزيونيٍّ مُتقطّعٍ لا تستطيعُ إعادةَ جمعهِ.
صَفوان... صَفوان... الاسمُ يرتجفُ كحرفٍ مُهتزٍّ على الشاشةِ. هل أحبّتهُ تلكَ التي كانتْ هيَ؟ أم أنَّها كانتْ مجرَّدَ دَورٍ، نَصٍّ كُتِبَ لها في مَسرحيّةِ الشكِّ والقَتلِ العبثيّة؟ العُمرُ كلُّه صارَ قَفزةً واحدةً بينَ شاشةٍ وأخرى، بينَ "هُويّةٍ" رُقميّةٍ وأخرى.
لكنَّ الفاصِلَ قَد حَدَثَ، ليسَ كَصوتٍ عالٍ، بل كَنقرَةِ فَأرٍ على شاشةٍ مُظلِمةٍ. في مَنفى الوعيِ هذا، اتّخَذتْ قرارًا وَحيدًا، نابعًا من آخِرِ بقايا "لبنى" القديمةِ. لذلك، صارَ الاعترافُ رَقمًا وشِفرَةً، رسالةً مُشفَّرةً لا يَفهَمُها إلا مَن يبحثُ عن مِفتاحِها. تَمَدَّدَتْ يَدُها بِبُطءٍ، كأنَّها تَحرُرٌ مُتعَبٌ من جِلدِها الرَقميِّ، ثُمَّ ضغطتْ على إرسالٍ، ليسَ لِنصٍّ، بل لِطَردٍ يَحمِلُ الدَليلَ، شِفرةَ الحَقيقةِ التي ستُحرّكُ المياهَ الرَاكِدةَ بينَ يَدَي مروان. الاغترابُ انتهى، وبدأ زمنُ التَسليمِ.
كانت المدينة تتأهب لفجر آخر مزيّف، لكن الفجر في عيني مروان كان يقطر يقيناً. مضى بسرعة من يجذب خيطه الأخير قبل انهيار كل شيء. العنوان المخطوط بقلم لبنى لم يكن مكاناً مشهوراً، بل مبنى مهجوراً يحمل على جدرانه بقايا أسماء شركات ميتة، أقنعة لما يجري في الداخل.
لم يترك مروان الكلمات تستقر، بل هاتف قسم البحث الجنائي، مستفسراً عن كل من له ارتباط سرّي بملف والده القديم. لم يجد شيئاً سوى صوت سنان المحقق، يهمس له عبر الهاتف بتوتّر غريب: "يا مروان، لقد وصلت طرديّة بريدية مسجّلة على عنوان مكتبك، لا تحمل ختم جهة ولا اسم مرسل، فقط اسمك عليها مكتوب بخط غامض. أرسلتها لك مع أحد الأفراد."
بعد دقائق طويلة كأنّها سنوات من انتظار المصير، دخل العريف ووضع أمام مروان طرداً صغيراً. لم يكن مجرّد ملف، بل كان صندوق الأسرار التي ابتلعت روح والده. الختم على الطرد لم يكن ختم بريد، بل رمزاً خفياً نقشَتْه يد محترفة: عين نصف مفتوحة، نفس الرمز الذي وجده على رسالة والده الغائب، ونفس الرمز الذي باحت به ناهد عن منظمة الظل.
كانت المرسلة هي الدكتورة لبنى. فتحه بحذر ليجد داخله ورقة علويّة مكتوباً عليها: "لم أقتل سميّة. لم أقتل أيّ أحد. أنا أجمّع ما فرّقه المهندسون. إليك البرهان، يا من تبحث عن صدى الغياب في مساريك."
كنتُ أعرف أنك ستصل، يا مروان، إلى هذه النقطة العمياء حيث تنهار كل الحقائق القانونية أمام سلطة اليقين الوجودي. إنه المسار الذي سلكتُه قبلك حين تلاشَتْ هويّتي في سجلات القوّة الخفيّة، ولم يبقَ منّي إلّا شاهدة على عبث القوّة الخفيّة.
هذا البروتوكول ليس جدول بيانات، بل هو لغة المهندسين القديمة لـ سرقة الروح. هم لا يقتلون البشر بالرصاص، بل يخلُقون لهم سجوناً من الوهم المبرمَج، ثم ينتزعون الكيان الأصيل، ذكريات الحب القديم، والإيمان بالبراءة، وجوهر الهوية، ويحفظونه في مستودعاتهم الرقمية.
يا مروان، الحقيقة أوحش من كل ما تخيّله صفوان في زنزانته.
في فرط عملي كعالمة أعصاب هاربة من سلطة اليقين، تتبّعتُ خطوات الجريمة. تقرير الطبيب الشرعي كان ناقصاً. سميّة لم تكن ميتة بالمعنى الذي ظنّه الجميع حين اعترف صفوان بفعلته.
سميّة كانت ضحيّة الاغتراب المهندس. ناهد حقنتها بالدم المهيّأ لخلق الشك عند صفوان، لكن فعلة صفوان لم تُكمل القتل. كان جسدها هشّاً، جسداً مُنهكاً من سرقة الكيان الأصيل.
أنا لم أُساعد في موتها، بل في حفظ ما تبقّى من وجودها. لقد تمكّنتُ من نسخ "بصمة كيانها النفسي" من ذاكرتها الطائشة، وعزلتُها في سجلّ رقميّ منفصل، بعيداً عن سلطة القوّة الخفيّة. إنها كيان محفوظ، وجود في زمن آخر، بانتظار أن يعثر عليه صفوان في نهاية مساره المُعذّب ليتحرّر من الندم الأبدي. هذا هو اليقين الذي سيقتل ندمه.
الآن، لنعد إلى الخيانة المالية. لم يكن فاهم خائناً بمحض إرادته. إنه مجرّد قناع.
بروتوكول آريس، الذي تراه أمامك، هو رسم بياني لبصمة الهوية المزيفة. عندما قارنتُه ببيانات الشركة والبيانات الحيوية، وجدتُ أن الوجه الذي يسمّى "فاهم" في السجلات الحالية هو في الحقيقة وجه مُستبدل لـ المهندس أدهم، العقل المدبّر لبعض مراحل سرقة الهويات وحرب الوجود التي تقودها المملكة المظلمة.
هم لا يبحثون عن الأميّين، بل عن صنّاع القرار. إن هذا البروتوكول يؤكّد وجود شبكة أوسع تعمل على اغتراب هويات الأثرياء وأصحاب النفوذ، واستبدالهم بكيانات مبرمَجة، لتكون لهم القدرة على سحب الأموال وإصدار القرارات التي تعزّز سلطة القوّة الخفيّة. الخيانة المالية لم تكن دافعاً، بل كانت غطاءً، فهم يجعلون أصدقاء الأمس يتحوّلون إلى المرآة الزائفة التي تعكس لك الشك والوهم.
أرسلتُ لك هذا الملف لأنك، برغم كل شيء، لم تصدّق البيّنة، بل صدّقت همس القلب. هو نفس الهمس الذي لم يُنقذ والدك حين تجاوز حدود القانون واقترب من أسرارهم القديمة.
لا تراجع الأوراق، بل انظر إلى الجدار خلفها.
بمجرد أن وصلك هذا التحليل، كنتُ قد فعّلتُ شفرة التدمير المضادّة. سوف تنهار ملفات الاغتراب المحفوظة ويتشتّت بروتوكول آريس عبر شبكتهم، لتحصل سميّة والمغترَبون الآخرون على حريّتهم الجزئية في زمن الوعي.
لكن فعلي هذا أعلن الحرب. سيدركون الآن أن شاهداً لم يمت. سيقفزون من ظلالهم ليقتلوا كل خيط قاد إلى الحقيقة.
يا مروان، لم يعد الأمر تحقيقاً، بل هو دورة في الزمن المتداخل حيث ماضي والدك هو مستقبلك. الخطوة التالية ليست للبحث عن دليل، بل لإنهاء مسار. ستجد في الملف خطوطاً تفصيلية لمواقع في المدينة. ليست أوكار عصابة، بل هي غرف الوعي المصطنَع.
انْهض قبل أن تأتي الأيادي الخفيّة لتطوي ملفّك كما طوت ملفّ والدك.
توقّف مروان عن القراءة. أغمض عينيه. كانت كلمات لبنى ترفع الستار عن وعيه، لم يعد يرى القضيّة كخطوط مستقيمة، بل كـ دوائر متقاطعة حيث القاتل ضحيّة، والخائن وجه مُستبدل.
شعر برائحة البارود القديمة التي كانت تفوح من ملابس والده. لم يكن هناك زمن للخوف، فالخوف نفسه صار جزءاً من منهج القوّة الخفيّة.
اقتحم مروان الباب. لم يدخل بصيحة مداهم، بل بهدوء الواعي بما سيجده. الغرفة كانت معتمة، وفي وسطها شاشات تعرض خطوطاً بيانيّة معقّدة، وفي الزاوية بعض الخوذات التي تبدو كأدوات تعذيب نفسي. هذه هي غرف الوعي المصطنَع.
كان أدهم، الذي يرتدي وجه فاهم، يقف في المنتصف، بجانبه مشرف يُلقّب نفسه مهندس الشك.
مروان: البروتوكول تم تدميره يا أدهم. لبنى فعّلت الشفرة المضادّة. الكيانات ستعود لأجسادها.
أدهم: تدمير؟ أيّ تدمير تتحدّث عنه يا مروان؟ هذا البروتوكول ليس مجرّد بيانات، إنه قانون الوجود الجديد. إنه المنطق الذي يُبقي كياناتكم مرهونة لـ خيوط الظنون. كلّ ما فعلته لبنى هو تأجيل الحتميّة. أنتم تبحثون عن الحقيقة في مرآة زائفة، ترون فاهم، ولكنكم تتحدّثون إلى عدم الوجود نفسه. أنا لست هذا الوجه، بل أنا الهمسة في عقل صفوان. هل ظننت أن الهويّة يُعاد بناؤها بضربة زرّ؟
مروان: أنا لا أبحث عن بناء، بل عن هدم وهمكم. همسة اليقين التي حفظت كيان سميّة هي التي ستحرّر صفوان من زنزانته الداخلية. لن يعود وجه فاهم قناعاً لك، ولن تبقى الأرواح في مستودعاتكم. لقد تداولنا الأزمنة، والآن حان زمن كشفكم.
أدهم: أنت لا تعطّل البروتوكول، بل تعطّل مسارك. أنت الآن في موضع والدك القديم، بين يدي المملكة المظلمة. هل ظننت أن لبنى، التي تبحث عن الغياب في الأزمنة، ستمنحك نهاية سعيدة؟ هي أرسلتك إلى نقطة تلاشيك.
في لحظة وجود نادرة، ضرب مروان على وجهة تحكّم رقميّة دقيقة. لم يكن له هدف سوى تعطيل الملف الرئيسي لاغتراب الهويّة. تجمّدت الأضواء، وشعر مروان برجّة في الهواء، كأنّ الوهم نفسه تلاشى من الغرفة.
ألقى مروان القبض على أدهم وشريكه، وهو يعلم أنّه لم يمسك برأس القوّة الخفيّة، بل أطاح بمرتكز مهم لها.
ساعات بعد ذلك، كان مروان يقف في وجه صفوان في السجن. لم يعد الأمر تحقيقاً، بل تبليغاً لحقيقة وجوديّة.
مروان: لبنى حفظت كيان سميّة. حبّك لم يكن وهماً، بل كان الخيط الذهبي الذي حاولوا قطعه. أنت لم تقتل، بل انهزمت أمام الظلّ.
تلك الكلمات لم تبرّئ صفوان قانونيّاً من إطلاق النار، لكنّها برّأته من ندم القاتل. فُكّ عنه ثقل الشكّ. لم يُغادر صفوان الزنزانة، لكن الشكّ والوهم غادراه.
ومروان؟ الآن بعد أن أكمل مسار والده القديم، واكتشف سلطة اليقين، صار متحرّراً. لم يعد مجرّد ضابط بل شاهداً كاملاً على الأيادي الخفيّة.
كانت ساعة الزيارة في السجن أقصر من لحظة وعي. جلس صفوان خلف الزجاج الثقيل، وكان على الطرف الآخر كمال المحامي، الذي وصل بعد مكالمة عاجلة من لبنى نفسها. كمال بدا شاحباً، كأنّه يحمل ثقل جميع الأسرار القديمة.
كمال، بصوت مُتحشرج: لبنى تواصلت معي. أرسلت توثيقات مشفّرة تدعم ما كشفه مروان عن اغتراب الهويّات وأدهم. لكن الأهم، الخيط الذي تركته لأجلك. خيط عن سميّة.
صمت صفوان لحظة، عيناه تُغادران الزجاج لتنظرا إلى زمن آخر. لم يعد هناك شكّ في موتها الجسدي، لكن اليقين ببقاء جوهرها قتل الندم فيه.
صفوان: لا تبحث عن براءة قانونيّة يا كمال. القانون لا يستوعب حرب الوعي، والإطلاق كان فعلي. لكن، لبنى، ماذا قالت عن الكيان المحفوظ؟
كمال، وهو يفتح ملفاً مغلقاً: تقول إنّه سجلّ، بصمة نفسيّة، وجود في بروتوكولات التشفير المضادّة. لقد تركت لنا مساراً للوصول إليه. ليس لإعادتها، بل لتتحدّث معها لحظة واحدة، لتضع نقطة على نهاية الشكّ. لتتحرّر أنت من الوهم الذي زرعه أدهم.
تردّد صفوان، كأنّه يخاف من الإفراج المفاجئ عن قيد طال به الأمد.
صفوان: الحبّ ليس برنامجاً رقميّاً يُنسخ يا كمال.
كمال: لكن الحبّ يقين يتجاوز الزمن. لبنى تقول إنّ الوجود متداخل. الآن وأنت في الزنزانة، حبّك هو الخيط الذهبي الذي يمتدّ لزمنها المحفوظ. كلّما ازداد يقينك، ازداد وضوح كيانها. هذه هي قوّة المرآة الزائفة التي انقلبت عليهم.
أخرج كمال جهازاً رقميّاً صغيراً، شاشته معتمة.
كمال: هذا هو الجسر. برنامج خاص للوصول إلى سجلّها. لن تستطيع الإجابة بكلمات، لكنّها ستتلقّى سؤالك الوجودي وتجيب عليه.
صفوان نظر إلى الجهاز، ثم إلى يديه. القيود لم تعد في معصميه، بل في بقايا ندمه القديم.
صفوان: سؤالي هو: هل كان الوهم الذي عشناه في تلك الليالي الأخيرة هو الحقيقة أم هو قناع زائف فرضته الأيادي الخفيّة؟
أدخل كمال السؤال الرمزي. اهتزّ الجهاز بشكل طفيف. بعد لحظات، ظهرت على الشاشة، ليست حروفاً، بل خطوطاً بيانيّة تتشابك، وفي وسطها رمز واحد مكتوب بخط سميّة القديم:
"أَنْتَ لَمْ تَشُكَّ فِي الْحُبِّ، بَلْ فِي نَفْسِكَ."
انفجر شيء ما في صدر صفوان. ليس حزناً، بل تهشّم سجن الوهم. تلك الجملة كانت كافية. لم يعد مهمّاً متى سيخرج من السجن، فالخروج الحقيقي حدث الآن. لقد انهار سجن الوهم.

رد مع اقتباس





