*البنت لابن عمها*

*الفصل الأول*
* ستزفين إلى ابن عمك جمال، سيحضر الشيخ لعقد القران ليلة الخميس القادم . . !
وهربت الفتاة جرياً إلى غرفتها، تتبعها والدتها متجهمة.
* مابالك يا جميلة . . !
* أمي، أنا لا أريده، أنا ما زلت في الثامنة عشرة، ولا أريد أن أتزوج قسراً.
* ولكنك تعرفين التقاليد، ولو طلبك ابن عمك فأنت من حقه، لا يقدر أحد أن يتدخل، فهذا ميثاق قريتنا منذ قديم الزمان.
* أمي أنا لن أتزوج من ابن عمي، قولي ذلك لوالدي، لن أقبل بذلك، لا تزوجوني غصباَ.
وتكررت المحاولة مرات ومرات، على مدى أيام متتالية، وبدون أدنى فائدة، فقد صممت جميلة على الرفض، ولم ترهبها التهديدات أو تجعلها تغير من رأيها، كما ولم تقبل بأية إغراءات.
وقبيل الموعد المحتم، يعلم العم المقتدر صاحب السلطة بالأمر، ويتشاور مع أخيه بامتعاض، ويرتفع في البيت صوتهما، ويتناوشان.
ويدخل جمال، فتى القرية الجامعي، صاحب الغد والسلطة، وأمل كثير من بنات القرية، لعلمه ووسامته وسمعة عائلته، ويسمع طرفاً من الحديث.
* كيف حالك ياعمي . .! لقد علمت بأن جميلة لم تقبل بي زوجاً . . ! !
* - - - - -
* والدي وعمي هل تعرفان، والله جميلة معها حق، كيف تريدون تزويجها قسراً ..! إنها لا تعرفني، آخر مرة تكلمنا فيها معاً كانت منذ ست سنوات، وكانت جميلة طفلة في الثالثة عشرة من عمرها فقط.
* ولكن . . .!
* لا عليك يا عمي، أرجوكم، لا تتدخلوا بيننا، دعوني أتصرف وحدي، وأية ترتيبات أخرى نقوم بتأجيلها.
احتار الأب ورضخ لطلب ابنه، وكذلك فعل العم، ولم يستطع أن يبدي أي اعتراض، وعاد أبو جميلة إلى البيت غاضباً، وجلست الأم بعد ذلك إلى ابنتها.
* لقد رضي جمال بتأجيل الزفاف، ولكن . . يقول والدك، بأن أمرك الآن بيد ابن عمك، وإذا لم يمنحك الموافقة، فلن تتمكني من الزواج طيلة حياتك.
ومرت بضع ليالٍ، ذهب جميل في زيارة لبيت عمه، وطلب أن يجلس مع جميلة ابنة عمه، تقابلا في ركن الصالة الكبيرة منفردين، جمال متحمس مبتسم، وجميلة محرجة متخوفة.
* أنت إذن يا جميلة ترفضين أن ترتبطي بي . . !
* - - - - -
* انظري، سأعقد معك اتفاقاً، أنت ابنة عمي، ولن أتخلى عنك أبداً، إذا لم تكوني من نصيبي، فسوف أزوجك بنفسي، ولن أتركك إلا بعد ضمان سعادتك، هذا هو اتفاقنا السري، ولن يعرف به أحد، ما رأيك .. !
نظرت جميلة إلى ابن عمها مشدوهة، لم تقل شيئاً، فهذا المنطق ليس موجوداً في القرية، * البنت لابن عمها * هذا هو القانون الوحيد، وما تسمعه من ابن عمها جديد عليها وعلى قوانين القرية المترسخة فيها منذ دهور طويلة.
وبعد هذا الاتفاق الغريب، فقد انكسر الجمود بين أولاد العم، قامت جميلة وأحضرت الشاي، وبدأ الحديث حول مواضيع مختلفة، كيف كانت دراستك، وما هي أحلامك للمستقبل، كيف تقضين أوقاتك، ماذا تحبين، وماهي هواياتك .
وغادر جمال بيت عمه، وهو مطمئن إلى سير خطته كما خطط لها تماماً، خمسة أيام مرت، وعاود جمال الزيارة . .
* هل أضايقك بزيارتي . . !
* تضايقني ! !كلا . . كلا . . أنت ابن عمي، بالطبع يمكنك الحضور في أي وقت.
* لقد جئت لأطمئن عليك، فلدي سفر في الغد.
* سفر . . ! إلى أين . . ! وكم ستغيب . . !
* عدة أيام فقط، لدي عمل أنجزه في العاصمة، وعند عودتي سأحضر فوراً لزيارتك.
* هل هذا وعد . . !
* نعم، هو وعد مني.
وتمر الأيام القليلة بتثاقل جامد على جميلة، فقد تعودت أن جمال في القرية قربها، تحس بوجوده، تراه، وتسمع كل يوم أخباره.


*الفصل الثاني*
ويعود ابن العم، وكما وعدها، فمنذ لحظة وصوله إلى المحطة، يمم وجهه صوب منزل عمه مباشرة.
* مرحباً يا عماه، كيف حالك، لقد عدت من سفري الآن.
* ألم تذهب إلى البيت . . !
* في الحقيقة، وعدت جميلة أن أحضر لزيارتها عند وصولي مباشرة وليس بعد ذلك، أين هي . . !
وتنادي الأم على ابنتها، والبسمة تعلو شفتيها . .
* جميلة، يا جميلة، لقد عاد جمال من سفره، إنه هنا، تعالي، وتحضر جميلة يلفها شعور من السعادة والراحة لعودة جمال، وقد أحضر لها هدية خاصة بها، ولم ينسها، ولم يحضر هدية لأحد غيرها.
تكررت اللقاءات، وبدون أي تدخل من الأهل، ومرت الأيام.
* عمي، لي عندك طلب أعلم مدى صعوبته، ولكنه ضروري لي جداً جداً.
* يا ابن أخي، اطلب ما تريد، فأنا عمك.
* أريد في الغد أن آخذ جميلة معي إلى العاصمة، سنغيب يوماً واحداً، ونعود قبل المغيب، أرجوك ألا ترفض . . !
* ولكن . .
* أرجوك يا عمي، إني مضطر لذلك.
* ولكن ما القصة، ألن تخبرني . . !
* لا أستطيع يا عماه، لا أستطيع أن أخبر أحداً، وكن مطمئناً ولا تخف من شيء، جميلة ابنة عمي أحميها بروحي.
وعلى مضض يوافق العم، وعلى خوف ورغبة تذعن الأم.
* جميلة، ستأتين معي بعد الغد إلى العاصمة، وقد استأذنت والدك، أريد أن آخذ رأيك في موضوع مهم، كوني جاهزة.
* تأخذ رأيي أنا . . !
* نعم، وما الغرابة في ذلك . .!
* ألن تقول لي ما الأمر . .!
* كلا، كل شيء ستعرفينه في الوقت المناسب.
فرحت جميلة واستغربت، فهذا ابن عمها المتعلم، الذي يكبرها بأكثر من سبع سنوات، يريد أن يأخذ رأيها هي في موضوع مهم . . ! وما عساه يكون هذا الموضوع . . !
فرحت الجميلة وقامت وهي تحدث نفسها، لتجهز ما يلزم لهذه السفرة الغريبة المفاجئة.
تفرجت جميلة على العاصمة، زارت أماكن عديدة، واشترى لها ابن عمها أشياء كثيرة، وبعد تناول الغذاء، وفي ركن هادئ من المطعم، فاتح جمال ابنة عمه بالموضوع الهام الذي يشغله، والذي يريد أخذ رأيها فيه.
* الموضوع ببساطة أنني أرغب في الخطبة، وأريد أن أختار خاتمين لي ولخطيبتي، وأنت أفضل من يمكنه مساعدتي في الاختيار، وليس لي سابق خبرة في ذلك، لذا أريدك أنت أن تختاري لي الخواتم.
خلال ثوانٍ معدودات، انفجرت جميلة بالبكاء، ولم يبدر عنها كلمة واحدة.
* ماذا حصل، لماذا تبكين . . !
* - - - - -
* استحلفك بالله، لماذا تبكين . . ! أما تريدين لي الستر والزواج . . !
وزادت جميلة في بكائها، حتى أصبح نشيجاً متقطعاً.
* أنت لا تقبلين بي زوجاً، ولا تريدينني أن أتزوج، قولي لي لماذا تبكين . . !
* أراك تتفلت من يدي لتذهب لفتاة أخرى، وأنت ابن عمي . . ! وتريدني أن أضحك مثلاً .!
* لم أفهم قصدك، أرجوكِ، اشرحي لي.
* تريد أن تخطب غيري لأنني رفضت الزواج بك، وتريدني أن أختار أنا خواتم الخطوبة، هل جننت، كيف أمكنك أن تطلب مني ذلك . . !
* ومن قال بأن هنالك فتاة أخرى غيرك . . !
* - - - - -
سكنت جميلة ووجمت، وتوقفت كلية عن البكاء.
* إنما الخواتم لنا يا أجمل ابنة عم، هل ظننت أن أتخلى عنك يوماً.
* أتفعل بي ذلك . .! أنت ظالم كبير، أليس عندك شفقة على ابنة عمك . . !
* ولكنك رفضت الزواج بي . . !
* أنت ابن عمي، أنت تعني لي حياتي، وكل عمري.
* الحمد لله، الحمد لله، هيا بنا نشتري الخواتم، ونعود لنبشر الأهل.
وقام الخطيبان، قلبان أبيضان، يسبحان في سعادة وبراءة، ليبدآ حياتهما بكل محبة ووداد.