فعلان (متفاعْ) في الكامل
كنتُ أراجعُ نصَّاً من نصوص الأدب المقطعي، وكانت القصيدة على بحر الكامل، فوجدت في نهاية القصيدة هذه التفعيلة: (متَْفاعْ)، فظننتها (متفاعلْ) المقطوعة، وحين أنعمت النظر تبيَّن لي أني أمام وزن جديد من الكامل، لم يسبق لي أن وقفت على نظير له، حسب معرفتي المتواضعة جدا.
وإليك النص الذي حدثتك عنه:
قال عبده فايز الزبيدي، (صمت رماد)*:
(وهناكَ صمتٌ كالرمادِ،
به بقايا جذوةٍ
من نارْ …..)
وزن النص هو:
(متفاعلن مستفعلن مـ
ـتفاعلن مستفعلن
متْفاعْ)
ثم بحثت في المصادر والمراجع المتاحة لي، فلم أجد لهذا الوزن ذكرا.
والوزن هو: متفاعلن متفاعلن متفاعلن = متفاعلن متفاعلن متفاعْ
فصدر الوزن من التام وعروضه سالمة، بينما العجز أصاب ضربه ما أسميته بالجزع، وهي علة افترضت أنها تصيب الجزء _الضرب_ الذي آخره وتد مجموع، مثل: (متفاعلن) و(مستفعلن)و(فاعلن). وإذا انتهى وزن بضرب من (فاعلاتن) محذوف: (فاعلا) ويساوي (فاعلن) فلا أرى بأساً من إجراء هذه العلة عليه.
فما الجَزْعُ/ التَّجزِيْع؟
الجزع أو التجزيع: هو اجتماع القطع والتشعيث، وهوعلة نقص تصيب الوتد المجموع الذي يأتي في آخر الجزء، ويقال للجزء تفعيلة وتفعيل.
وسأسلك في تفسير هذه الظاهرة مسلكين:
أولهما: أنه اجتماع قطع مع تشعيث في (متفاعلن)، فتصبح بالقطع وهو حذف ساكن الوتد المجموع في آخر الجزء مع تسكين المتحرك قبله، هكذا: (متفاعلْ) ثم يشعث الوتد منه بسقوط أوله فيصبح الجزء: (متفالْ)، وننقلها إلى (متفاعْ)، ثم إلى (فعَلانْ) تحسينا للفظ.
وثانيهما: أن الجزع هو وقوع القطع مرتين في موضع الوتد هكذا: بالقطع الأول تصبح (متفاعلن) هي (متفاعلْ)، ثم نقطعها مرة أخرى فتصبح هكذا: (متفاعْ)، ثم ننقلها إلى (فعلان) تحسينا للفظ.
ووقوع علتين مختلفتين أفضل عندي من تكرار العلة في نفس الموضع، ولهذا قلت في التعريف بالأول، ومن قال برأيي الثاني فلا بأس.
وأمَّا (فعْلان) في ضرب الكامل فهو الجزء المُجزَّع _المجزوع_ بعد إضماره.
ومن صوره المحتملة في البحور القابلة لهذا، مثل وقوعه على (فاعلن) في المتدارك ومنصوف البسيط _مربوع البسيط_، فتصبح به: (فاعْ). وكذلك يجوز وروده في منصوف _مربوع _ المديد: (فاعلاتن فاعلن) ويصبح (فاعلاتن فاعْ)، ورأيت من يجعل (فاعلاتن فاعلن) في صور بحر الرمل، وهذا خطأ؛ لأن الوحدة الوزنية للمديد هي (فاعِلاتن فاعلن). ويجوز وروده في مجزوء الممتد: (فاعلن فاعلاتن فاعلن).
مثال(1) : قال عبده فايز الزبيدي، من الكامل المُجزَّع، من قصيدة (عشرق):
ريحٌ تثَعْلبُ يمنةً وشمالْ = وتجرُّ فوقَ مَفازةٍ أميالْ
ولمرّها صوتٌ بهزةِ عِشْرقٍ = فتخالها لبِستْ به خُلخالْ
وتجوسُ بطنَ القفْر أجْمَلَ أجْمُلٍ = حُذِيَتْ من السيرِ العريضِ نعالْ
تبدو قطاراً والحِداءُ يطيرُها = وتذوبُ قبْلَ السِّيرِ فيهِ بغالْ
ويغالُ دجَّالٌ أمانيَ أمَّةٍ = وأرى سرابَ مفازةٍ دجَّالْ
منْ كانَ يحملُ في المَزادَة ِ(ربَّما) = أو كانَ يشربُ من غَديرِ( يقاُلْ)
فمسيرهُ تِيْهٌ يسيلُ لُعابهُ = ونجَاتُهُ من غيِّهِ كمُحالْ
بَدْو ٌ كأمثالِ الجِمالِ صفاتُنا = نمضي وإنّا في القتال رجالْ
وعدِيدُنا بحْرٌ ونحنُ قبائلٌ = يأتي بموجٍ مثْلمَا الأجبالْ
والشَّيءُ يرأسُ حِينَ يَكثُرُ جِنسُهُ = فالماءُ في نهْرٍ وفي فنْجالْ
وأنا كريحٍ والقصيدُ مَجاهلي = لا أسْتكينُ ولا أهابُ مجالْ
ثمِّ إني عرضت هذا الكلام على صديقي العزيز الأستاذ الأديب/ حسن عبده المعشي، فأرسل معارضا لبعض أبياتي، كما يلي:
مِنْ أَيْنَ تَبْدأُ بالكلامِ مقالْ = أعْياكَ في وضْعِ الجواب سُؤالْ
إنَّ الحياة على الكسول عصِيَّةً = لكنَّ ذا عَزمٍ يَجوزُ مَجالْ
والجزْع القطع، من جزعت الشيء إذا قطعته، فإن قلت في وصف الضرب الذي ذكرت لك: (المجزوع)، فهو من (جَزَعَ)، وإن قلت فيه: (المُجَزَّع) فهو من جزَّعَ.
وجَزَّعَ الرُّطَبُ : بَلَغَ الإِرْطَابُ بَعْضَهُ، وهذا وصف يطابق حال التفعلية إذا أصابها الجزْع أو التجزيع، فكما يبلغ الإرطاب نصف التمرة ويبقى منها نصف، فكذلك يذهبُ التجزيع _الجزع_ بنصف (متفاعلن) ولا يبقى سوى (متفاعْ) وهو في حكم النصف، والله أعلم وأحكم.
ومن وجد شواهد قبل هذا، أو مثله، فليتحفنا بها، فمن أمثالكم نستفيد، ولكم خالص الثناء والتقدير. والله ولي التوفيق.
............
* هذا النص من قصيدة فايز (Faiz)، من أشكال الأدب المقطعي.

رد مع اقتباس