قال الدكتور/ عبدالرزاق محيي الدين في تقديمه لكتاب صفاء خلوصي (فنّ التقطيع الشعري والقافية)، في معرض تفسيره لإعراض طلبة العلم عن علم العروض: (أما السبب الذي أوجب تعسيره، وكان راجعاً إلى طريقة تدريسه، فهو أنه علم تكثر مصطلحاته، ومواضعاته كثرة بالغة، ....) [ص: 18].
قلتُ: هذه جملة فيها نظر؛ فالعارف بعلمي العروض والقافية يعلم علم اليقين أن مصطلحات هذا العلم قليلة، مقارنة بسائر علوم العربية، من نحو وصرف وبلاغة.
والله تبارك وتعالى جعل في الناس قدرات مختلفة، فهناك من يسهل عليه علم دون علم، وفن دون فن، وعلوم العربية كسائر العلوم الأخرى، فيها من يقبل عليها الناس، ومنها من يختص الله بها فئة معينة.
وحاجة العالم والمتعلم في العربية للنحو والصرف أكثر وأمسّ من حاجتهم لتعلم علوم البلاغة والشعر؛ لهذا كان اهتمام الناس بالعلوم الضرورية مثل النحو والصرف، أكثر من اهتمامهم بعلم العروض وعلم القافية.ولوكان علم النحو سهلاً وميسورا لكان كل ناطق بالعربية نحويَّا، ولن يبلغ طالب العلم في النحو درجة المتمكن إلا بعد سنين من الدرس والتحصيل، وقسِّ هذا على علمي العروض والقافية.
ثم قال صاحب الكتاب الدكتور/ صفاء خلوصي: (بين يديك أيها القارئ فصول في فن شاء الأولون أن يجعلوه عويصاً شائكاً؛ ليكون وقفاً على جماعة دون جماعة، يوم كان العلم أريستوقراطياً يتوارثه الأبناء عن الآباء، أو مقصوراً على فئة من المريدين، حتى لقد غدا هذا الفن الرائع الجميل مهملاً أو أشبه بالمهمل، وحتى امتلأت دواوين شعرائنا الأقدمين بالأخطاء الكثيرة في الوزن؛ لقلة من يستطيع تصحيح النصوص الشعرية). [ص: 22].
قلتُ: هذا الكلام أقلّ ما يقال عنه إنَّه زَلَّة قلمٍ، جاءت في مفتتح الكتاب، فمتى كان علماؤنا في القرون الأولى يبخلون ببذل العلم، وهم الذين علموا القاصي والداني، وأجروا العلوم أنهاراً استقى منها المؤمن والكافر.
والخليل بن أحمد رحمه الله لم يكتم علمه بل ألقاه على الناس، وشاع وذاع بينهم، وتلقوه بالفَهْم والقبول معاً، وقوله (يوم كان العلم أريستوقراطيا) مخالف لسير العلماء الأجلاء ومنهم الخليل، الذي رفض أن يذهب لقصر والي الأهواز؛ ليعلم أبناء الوالي، ورأى أن العلم حقّاً مشاعاً لكل قاصدٍ له. فقد أورد أبو البركات الأنباري في نزهة الألباء في طبقات الأدباء في سيرة الخليل بن أحمد الفراهيدي: (وكان رحمه الله تعالى من الزهاد في الدنيا المعرضين عنها. ويروى أنه وجه إليه سليمان بن علي من الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزاً يابساً، وقال: كلْ فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان، فقال له الرسول: فما أبلغه عنك؟ فأنشأ يقول:
أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ = وفي غنى غير أني لست ذا مال
سَخَىً بنفسي أني لا أرى أحداً = يموت هزلاً ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه = ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال). [ص: 46].
ولو ذهبنا نورد الأدلة لنقض ما قال خلوصي؛ لطال بنا المقام، ولكن يكفي من القلادة ما أحاطَ بالعنق.
وقوله: (حتى امتلأت دواوين شعرائنا الأقدمين بالأخطاء الكثيرة في الوزن لقلة من يستطيع تصحيح النصوص الشعرية).
وهذه مبالغة عجيبة، فأخطاء النُّسَّاخ من الأمور التي تقع في كتب النثر ودواوين الشعر، ولو جازَ أن نتهم علماء العروض الأوائل بتعويص العلم وبحجره على الخاصة، وبتصييره مهملاً أو أشبه بالمهمل، وأن نحملهم وزر أخطاء النُّسَّاخ والكتبة، لكان الأمر يسري على غيرهم من علماء العلوم الأخرى، ولكن علماء السلف الأوائل بُرآءُ من هذا كله، ولم يُعرف عنهم سوى الأمانة في نقل العلم، ولم يعهد منهم سوى تسخير أوقاتهم لنشره، وتفهيمه بكل سبيل متاحة لهم.
والسؤال قائم: هل بصدور كتاب خلوصي وغيره، أصبح علم العروض سهلا ميسوراً، وأضحى عدد علماء العروض والقافية كعديد علماء النحو والصرف والبلاغة؟ وهل رفعت الأخطاء الطباعية من الدواوين اليوم، التي تماثل أخطاء النُّسَّاخ قديماً؟
..................................................
*فن التقطيع الشعري والقافية، صفاء خلوصي، منشورات مكتبة المثنى ببغداد، الطبعة الخامسة 1397هجرية – 1977ميلادية.

رد مع اقتباس