الخط الفارسي...
لاشك ان اتقان الخط - اي نوع منه - هو نعمة عظيمة تستوجب الحمد... فهو كما يقولون هندسة روحانية بآلة جسمانية ،ومما ينسب للامام على رضي الله عنه ان (الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً).
أحببت الخط مذ عقلت، وشغفت به كثيرا، تمنيت لو استقامت طريقتي في الرّقْم والكتابة على قانون الخط العربي..
ما ان شببت عن طوق الطفولة حتى استرعى انتباهي جمال الخط وهندسته وجودته واتقانه.. فكنت احدق مليا بالآيات المكتوبة على جدران المساجد وعلى واجهات المحلات والمصالح وفي عناوين المجلات والكتب ، وتمنيت بأناملي الصغيرة ان أكتب يوما مثل هذا الذي يعجبني ...
أنفقت الساعات الطوال في التقليد والمحاكاة، فتارة اخفق وتارة أسدد واقارب..
وكنت مميزا جدا بين أقراني في ذلك ، فمنذ الصف الثالث الابتدائي ظهرت موهبتي فيه ، وكانت المعلمة التي تعلمنا (كل شيء) - كما كان النظام قديما - كانت تشجعني كثيرا .. وكنت استمع بحرص (وخوف) لتوجيهاتها حتى استقامت كتابتي شيئا ما على قانون الخط ، إلى درجة تكفي لأن تُفَاخر بي زميلاتها المعلمات..
ثم مازلت في تناول فن الخط، أتدرج فيه بين مد وجزر، حتى استقمت شابا يافعا ، فالتحقت بمدرسة الخط العربي حيث كانت الظروف مهيأة..
ولكن على خلاف ما كان متوقع؛ تعثرت في دراسة الخط إلى مايقارب العشرين عاما. كان غالب هذه الأعوام رسوبا!
وكان سبب هذا الرسوب المتكرر هو الغياب القسري.. فقد اعتقلت سياسيا احد عشر عاما وشهرا وبضعة ايام ، كنت قد امتحنت اخر مادة في امتحانات الصف الثالث (الزخرفة) في قسم التحقيقات، حيث الويل والثبور وعظائم الأمور ،ثم صدر امر الاعتقال غير المتوقع، وتم ترحيلي ، لأتقلب بعدها في غياهيب السجون ، وهناك حُرمنا كل شيء، لم يعد يُسمح لنا بأي شيء.. ، وكنا ونحن في لجة الأسر البغيض نحلم فقط بأن نعامل كحيوانات يتعاهدها صاحبها بالطعام والشراب ولا يضربها الا على الحرونة لا العثار... هناك حيث الفقر والعوز ،ما من احد منا الا وعضه كلب الجوع ، بل مات منا الكثير جوعا.. ومن كانت يشتكي علة هينة او مرضا بسيطا؛ فقد أدى غياب الغذاء والدواء والوطاء الغطاء إلى استشرائه وتعملقه ،حتى نال الوهن من الأجساد كل منال، فطرحنا ارضا ،ثم لايلبث بعضنا قليلا يذوي
. ثم يكون أثرا بعد عين..
وفي أجواء كهذه كانت مواصلة الدراسة _ أي دراسة _حلما مستحيلا..
مرت الايام أُولاها تجر الاحدى اخراها ،حتى آذن الله بيسر بعد عسر.. خرجت اخيرا من بين فرث ودم كائنا رخوا غريبا يسير متثاقلا بين مدارج الصبى، قابلت في الطريق صدفة احد معلمي الخط القدامى ، فسلم علي وحثني على استنئاف دراسة الخط العربي مرة أخرى ضنا منه بموهبتي ان تضيع هباء ، فوجدتني لزاما أبدأ من الصف الأول بعد أن تم حرماني من الصفوف الثلاثة التي انجزتها سابقا.. ففعلت... وانهيت الصف الأول..
ضاق بي العيش، وكنت عالة على اخي الصغير الدي تولى الإنفاق عليّ بشرف فترة ما ...
سافرت واغتربت كما لو كان هذا هو قدر كل الشباب عندنا.. انقطعت عن دراسة الخط مرة أخرى لكنني لم ازل متعلقا به ، عدت بعد عام فوافقت عودتي امتحانات الدور الثاني ..فأدركت الامتحان على غير ترتيب .. وبعد انقسام حاد بين المعلمين المتعاطفين معي وبين شئون الطلاب المعترضين تم الموافقة على انتظام بلجنة الامتحانات بعد أن تم تجاوز عقبة نسبة حضوري أثناء العام الدراسي والتي كانت صفرا كبيرا .. وامتحنت ونجحت بفضل الله واصبحت في الصف الثالث مرة أخرى.
وقفلت عائدا إلى حيث عملي وقد ازمعت العودة مرة أخرى عند بدء امتحان السنة النهائية (دبلوم الخط العربي).. في هذه السنة في غربتي كنت املا فراغ وحدتي (الاختيارية) بالتدريب الطويل على رسم الحروف طبقا للقواعد المرعية ، استولى على ذائقتي من انواع الخطوط الخط الفارسي (التعليق) وهو خط فارسي بامتياز كما يبدو من اسمه، ابتدعه الإيرانيون الذين اختصوا به فاحتضنوه وابدعوا فيه وأوغلوا في رصفه إلى حدود والروعة والادهاش ..
وهو خط عريض الرسم ، ما ان يستعرض ويبلغ سمكه المنتهى حتى يدق فجأة كخيط، فيضيق في اختناق وتلاش، ثم يعود فجأة الى سابق اتساعه ،كل ذلك في رشاقة ومهارة وروعة وجمال..
عدت من غربتي قبيل انعقاد امتحان الدبلوم...
و امتحنت وحصلت - بتوفيق الله لي - على المركز الأول (والثاني) في قطاع التعليم بمنطقتنا
.....
زاحمتني بعض التفاصيل المرهقة أثناء الكتابة فتوقفت قليلا اجتر سوادها ثم حالت بعض عبرات خانقة دون رصدها..
فاللهم فضلا منك وعافية وسِتر..

رد مع اقتباس


