( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ) التكوير 14
كلمة احضرت هى المفتاح الذي فتح لي عالما لم أكن أراه ـ مفتاحا غير نظرتي لمفهوم العمل والزمن والآخرة
كثيرا ما كنت أقرأ سورة التكوير وأمر بتلك المشاهد الكونية المهيبة من تكوبر الشمس، وانكدار النجوم وسير الجبال
كنت أقفز بذهني سريعا إلى الهول العام غافلا عن الدقة المرعبةفي اختيار هذ الفعل بالتحديد ( أحضرت)
وليش عملت أو كسبت أو فعلت
لماذا اختار الله هذا اللفظ؟؟
وكأن الآية تخبرني أن أعمالي ليست مجرد عابرة تذوب في نهر الزمن، بل هى أمتعة وحقائب أحزمها الآن ،
أحملها على ظهري وأحضرها معي شخصيا إلى ذلك الموقف العظيم ـ فلا حقائب تفقد في مطار الآخرة ولا أمتعة تضل طريقها.
لقد عشت لحظة اكتشاف هزت كياني حين أدركت التناسب العكسي المذهل بين دمار الكون وبقاء العمل
فالسورة تبدأ بأثنى عشر حدثا كونيا مدمرا حيث الشمس يذهب ضوؤها والجبال الرواسي تنسف وتسير، والبحار تتفجر نارا
والنجوم تتناثر .. كل هذه الثوابت الفيريائية العملاقة تفنى وتتغير. لكن وسط هذا الدمار الشامل يبقى شيء واحد فقط
لايتبدل ولا يغيب ( ما أحضرت). إنها لطيفة مدهشة تخبرك أن عملك ولو كان مثقال ذرة هو أقوى وجودا من الجبال
وأكثر ثباتا من النجوم وعملك يحضر.
هذا التقابل العجيب بين فناء الأكوان وبقاء الأعمال يضع الإنسان امام حقيقة مرعبة ــ أنت الكائن الذي سيحتفظ بأشيائه
حين يفقد الكون كل شيء
( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ) لم يقل حوسبت أو عذبت بل عملت، وهنا تكمن لطيفة نفسية عميقة
فالعلم هنا ليس مجرد تذكر ، بل هو الإدراك اليقيني الكامل لحقيقة ما معك
في الدنيا قد ننسى نوايانا، قد نخدع أنفسنا بمبررات واهية ، قد نسمي البخل حرصا والجبن حكمة
ولكن هناك في لحظة العلم تلك تسقط الأقنعة وترى النفس بضاعتها التي أحضرتهاعلى حقيقتها المجردة دون أغلفة تجميلية
إنه علم المواجهة الذي لا مهرب منه.. لن يبقى إلا انت وما أحضرت
ستكون وحيدا تماما مع حقيقتك ، ستأتي كحقائق مؤكدة ، فنكتشف يوم القبامة إن كل ما أحضرناه للدنيا ترك فيها
وإن ما أحضرناه معنا حقا هو مجرد كلمات وأفعال عابرة
أنت لا تملك ما جمعت ، أنت تملك ما فعلت
إن ( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ) ليست مجرد إخبار عن المستقبل بل هى دعوة عاجلة لفرز الأمتعة الآن قبل أن يغلق
باب الطائرة وتقلع بنا الرحلة حيث لا يمكن ترك الحقائب ولا استبدالها، وحيث نكون نحن وما أحضرنا.
منقول.