ما زلتُ أغني
كنتُ فقيراً..
وأبي كان..
فأنا أتبعهُ حيث يكون.
لكن دروب العزةِ لم..
لم تخطئها قدماي.
فأنا أتبعهُ أيضاً..
كنتُ صبياً غضاً.. يتميزُ بذكاءٍ ساذج..
لا لا.. بل كنتُ غبياً.
كنتُ أرافقهُ..
حين يصيدُ الأسماك بقريتنا.
يرجعُ كل مساءٍ تسبقهُ الف فيرحة، يحملُ كيس الأسماك بفخرٍ،
كي نقضي أمسيةً حلوة.
ينصتُ (للست)، وأنصتُ معه.
فأنا دوماً أتبعه.
(ما أشهى الأسماك!)
وما أجملها أنغام الحب.
وأبي.. مثل أبيه.
لا يملك غير الجلبابينِ، ولا ثالث لهما.
وعباءة جدهِ..
أحدهما يتبعهُ حيث يكون.. فصار رقيقاً وتهلهل.
والآخر يحفظه خلف البابِ بحرصٍ،
يلبسه لصلاة الجمعة، في ليل عزاءٍ،
أو حفل عشاءٍ، أو عرسٍ، أو سفرٍ يطرأُ فجأة.
وعباءتهُ.. للجو العاصف، نلتئمُ كسربِ عصافيرٍ في خيمتها.
ونكركرُ بالضحكات..
وننصتُ لحكاياه عن الشطار، وست الحسن، وسلطان الجان.. فيغشانا النوم.
وأنا أيضاً أتبعه، وأصففُ هندامي في مرآة الذكرى.
وأرى وجهي.. وجهه.
لكن ردائي، ذاك الفاخر والمستحدث،
لا يدفئني في الجو العاصف.
فألملمُ في الليل صغاري..
وألوذُ بدفءِ عباءته...
يغشانا النوم.. وتأخذنا الأحلام إلى شط النهر..
لعل الأسماك تكون هناك.
ولعل أبي ألقاه هناك بهيا بعمامته،
يمسحُ حبات اللؤلؤ فوق جبينٍ تلثمه الشمسُ بحب،
ولعلي أنصتُ (للست) تغني!!
للحب تغني..
للخير تغني..
للوطن تغني.
.

رد مع اقتباس


