رمضان عند الحرالي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خاطب بما يتوجه بادىء بدئ إلى أدنى الطبقات التي التزمت [أمر الدين -]، لأنه لم يكن لم باعث حب وشوق يبعثهم على فعله، من غير فرض، بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين، فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام. فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله الْحَرَالِّي.
وقال: فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعد، ولا ذكروا إلا ممدوحين، والذين ينادون في القرآن هم الناس، الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على بعض، والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار، متقاصرين عن البدار، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين، إلا ما توجه للإنسان بوصف ذم في قليل من الآي - انتهى.
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}
وقال الْحَرَالِّي: فرض لما فيه من التهيئ لعلم الحكمة، وعلم ما لم تكونوا تعلمون، وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه، ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء، يقال: صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول التي [هي] من شأنها، وصامت الخيل
(1/334)
- إذا لم تكن [مركوضة ولا -] مركوبة، فتماسك المرء عما شأنه فعله من حفظ بدنه بالتغذي، وحفظ نسله بالنكاح، وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه.
وفي الصوم خلاء من الطعام، وانصراف عن حال الإنعام، وانقطاع شهوات الفرج، وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته، ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب، وجعل كتبا حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه، كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
قال الْحَرَالِّي: وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه، على وجه الشدة، تقوى، ومن لا يثمر ذلك.
ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادئ أحكامها على حكم
(1/335)
الأحكام المتقدمة، فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء، ثم ختم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء، كذلك صوموا صوم أهل الكتاب {أَيَّامًا مَعْدُودَةً} أي قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء، ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدرا انتهاء، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب، لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية، كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر، وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل يوم، حيث هي أيام معدودة، [و -] في إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل، الذي هو معنى الوصال، الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر، يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف، لا عزما على الصائم، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب، من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم، فكان فيه كلفة ما في الكتب، لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظا من منال أوائل الأمم، ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها، فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر. انتهى. وفيه تصرف.
(1/336)
قال الْحَرَالِّي: قأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر، لتنتقل وجبة الفطر التي توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال، كما سيأتي التصريح به، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور، يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية، كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء.
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا}
قال الْحَرَالِّي: فبقى على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن، ويسقيه من غيب بركة الله، سبحانه وتعالى، كما قال، عليه الصلاة والسلام: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه، بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم، يستمد ظاهر الموقن من باطنه، حتى
(1/337)
يقوي في أعضائه بمدد نور باطنه، كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة، فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه.
{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}
قال الْحَرَالِّي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي" وذلك لأنه لما كانت الأعمال: أفعالا، وإنفاقا، ويسيرا، وأحوالا، مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه، وكان من شأنه، [كانت له. ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلا أفعال وأقوال، وذلك من شأن المرء، والزكاة إنفاق، وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض، وذلك من شأنه، وليس من شأنه] أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح، ولا ينتصف ممن يعتدي عليه، "فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم" فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه، وحقيقته إذبال جسمه، وإضعاف نفسه، وإماتته، [ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ، لينال بالصوم - من قتل نفسه] بوجه ما -[ما -] جرى على يده
(1/338)
خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم، فلذلك قال تعالى: "فإنه لي" حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال، سبحانه وتعالى: "وأنا أجزي به" ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون [قوله]: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} - انتهى.
قال الْحَرَالِّي: كان خيرا حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند، بل تعاضد، لما يشعر به لفظ الخير - انتهى.
{شَهْرُ رَمَضَانَ} قال الحرالى: والشهر هو الهلال الذي شأنه [أن -] يدور دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانيا، سواء كانت عده أيامه تسعا وعشرين أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكامل العدة، كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان.
يقال هو اسم من أسماء الله [سبحانه وتعالى] واشتقاقه من الرمضاء، وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر، بترتيب أن يحسب المحرم من أول فصل الشتاء، أي ليكون ابتداء العام الأول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها.
(1/339)
قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق، حين تنزل الشمس الحوت، والسماوي اللاحق، حين تنزل الشمس الحمل.
وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب، كما وجهوا إلى القبلة أولا بوجه أهل الكتاب، تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص [بهم -] فجعل صومهم القار لهم بالشهر، لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة، ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل صومهم لرؤية الشهر، وجعل لهم الشهر [يوما واحداً، كأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم -] يوم واحد غير معدود لوحدته، لأنهم أمة أمية، {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً} هي ميقات أمه محمد، - صلى الله عليه وسلم -، {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} هي ميقات موسى، عليه الصلاة والسلام، وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة. انتهى.
قال الْحَرَالِّي: وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار، وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من القرء، وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى.
(1/340)
{هُدًى لِلنَّاسِ}
قال الْحَرَالِّي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم، أي بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين، [ويرقيهم -] إلى رتبة المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب، كما يغذو وجوده الجسم، ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة، من {الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع، وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله، نور الله، سبحانه وتعالى، القلب، وصفي النفس، وقوي الجسم، ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة، هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا لعامة خلقه.
وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار وفتح أبواب الجنة، وتصفيد الشياطين كل ذلك بما يضيق من مجاري الشياطين من الدم الذي ينقصه الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله، وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى، وكان نورا لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين
(1/341)
العاكفين الذاكرين الله كثيرا، الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة الحق بذكره.
وفي قوله: {وَبَيِّنَاتٍ} إعلام بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه، وانكسار نفسه وتهيئة فكره لفهمه، ليشهد تلك البينات في نفسه، وكونها {مِنَ الْهُدَى} الأعم الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق {وَالْفُرْقَانِ} الأكمل، وفي حصول الفرقان عن بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه إشعار بما يؤتاه الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل ألا بعد تحقق الفرقان، [فإن -] المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان، كما قال تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى.
فعلى ما قلته المراد بالهدى الحقيقة، وعلى ما قاله الْحَرَالِّي هو مجاز علاقته السببية، لأن الصوم مهيئ للفهم، وموجب للنور. {وَالْهُدَى}
(1/342)
المعرف الوحي، أعم من الكتاب والسنة، أو أم الكتاب، أو غير ذلك، وعلى ما
قال الْحَرَالِّي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها، فيعم الكتب الأول للأيام، والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر.
{فَمَنْ شَهِدَ}
قال الْحَرَالِّي: وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم، وقوله: {مِنْكُمُ} خطاب الناس ومن فوقهم، حين كان الصيام معليا لهم، {الشَّهْرَ} هو المشهود على حد ما تقول النحاة مفعول على السعة، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى، ويظهر معناه قوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ} فجعله واقعا على الشهر، لا واقعا على معنى فيه، حيث لم [يكن: فليصم فيه -] وفي إعلامه صحة صوم ليلة، ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعا هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى.
{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ}
قال الْحَرَالِّي: فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه: فصومه عدة، من حيث لم يذكر في هذا
(1/343)
الخطاب الكتب، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه، وفي قوله: {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر، لاختصاص الوحدة بشهر رمضان، ونزول قضائه منزلة الصوم الأول، [و -] في عدده، وفي إطلاقه أشعار بصحة وقوعه متتابعا وغير متتابع - انتهى.
{وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
قال الْحَرَالِّي: اليسر عمل لا يجهد النفس، ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم.
وقال: فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر، وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم، وأن العسر في فطر المفطر، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور، ويجري الباطن على حكمته في البطون، إذ لكل آية منه ظهر وبطن، فلذلك، والله، سبحانه وتعالى، أعلم، كان النبي، - صلى الله عليه وسلم -، يصوم في رمضان في السفر، ويأمر بالفطر، وكان أهل القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى.
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}
قال الْحَرَالِّي: التقدير: لتوفوا الصوم بالرؤية، ولتكملوا إن أغمى عليكم، ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الإبتداء بقوله: {شَهِدَ} وذكر الغيم في الانتهاء بالإكمال - انتهى.
(1/344)
{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} والتكبير إشراف القدر، أو المقدار، حسا أو معنى - قاله الْحَرَالِّي.
قال الْحَرَالِّي: وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة يوم العيد، وأعلن فيها بالتكبير، وكرر لذلك، وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير، لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جل من مخلوقاته، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر، لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علنا - انتهى.
{عَلَى مَا هَدَاكُمْ}
وقال الْحَرَالِّي: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم، وما يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة،
(1/345)
أو آيات بينة لأهل التبصرة، أو بآية بادية لأهل المراقبة، كلا على حكم وجده؛ من استغراق تماسكه وخلوته، واستغراق ذكره في صومه، فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه، وتفنى ذاته في حق ربه، كما يقول: "يدع طعامه وشرابه من أجلي" فكل عمل فعل وثبت إلا الصوم، فإنه محو وفقد، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
وقال الْحَرَالِّي: فيه تصنيف في الشكر نهاية، كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية، كما قال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فمن صح له التقوى ابتداء، صح منه الشكر انتهاء، وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحساس الذي هو مضمون [فرض -] زكاة الفطر عن كل صائم، وعمن يطعمه الصائم، فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه، واستقبال فطره بأمر ربه، وإظهار شكره بما خوله بما إطعام عيلته، فلذلك جرت فيمن يصوم، وفيمن يعوله الصائم - انتهى.
(1/346)
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}
وقال الْحَرَالِّي: لما أثبت الحق، سبحانه وتعالى، كتاب الصيام لعباده، لما أرادهم [له -] من إعلائهم إلى خبء جزائه، وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر، فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه، واستخلفهم في فضله وشكر نعمته، بما خولهم من عظيم فضله، وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم، فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم [رتبة -] رتبة، يؤثر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يكلم أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، فكأنما يتكلمان بلسان أعجم، لا أفهم مما يقولان شيئا" إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى
(1/347)
السائلين الذين هم في رتبة حضرة [بعد -]، فيثرون بمطالعة القرب، فقال: {وَإِذَا} عطفا على أمور متجاورة، كأنه يقول: إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته، ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته، فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا. وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا، وإذا سألك من حاله كذا فأئبئه بكذا، [وإذا -] {سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم، فأخبرهم أني لست كذلك.
{فَإِنِّي قَرِيبٌ}
قال الْحَرَالِّي: بشر أهل صفوة البعد بالقرب، لما رقى أهل القرب إلى الوصول بالقرب، فكان المبشر وأصلا، وكان المتقاصر عن القرب مبشرا به، ومعلوم أن قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة، ولا قرب مسافة، فالذي يمكن إلا حته من معنى القرب أن من سمع، فيما يخاطب به، خطاب ربه، فهو قريب ممن كان ذلك الخطاب منه، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه من دون ربه، كان بعيداً بحسب تلك الواسطة، من بعد دون بعد إلى أبعد البعد، ولذلك يعلن للنبي، - صلى الله عليه وسلم -: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
(1/348)
الْبَلَاغُ} وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربهم، يتلو لهم كلام ربه، يسمعوه من ربهم، لأمته، حتى لا يكون، - صلى الله عليه وسلم -، واسطة بين العبد وربه، بل يكون يوصل العبد إلى ربه، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة {قُلْ} في القرآن، ليكون إفصاحا لسماع كلام الله، سبحانه وتعالى، ممن سمع، كائنا من كان.
وفي إشعاره إهزار القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم، لأنه جعل، تعالى، أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج، ففي خفي إشارته إعلاء نداء إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، الذي تقدم أساس أمر الإسلام، على حنيفيته وملته، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج، لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاما عجيبا، يليح المعنى لأهل الفهم، ويفصله لأهل العلم، ثم يحكم به على أهل الحكم.
قال: {أُجِيبُ} من الإجابة، وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع
(1/349)
لتمام اللقاء بالمواجهة، {دَعْوَةَ الدَّاعِ} ففيه إشعار بإجابة الداعي [أي الحج -] عند خاتمة الصوم، يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة، فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه محوا لحال البرزخ، وحال الحج في كونه سفرا إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر.
قال: وجاء الفطر، يعني بعد إكمال الصوم، بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله، سبحانه وتعالى، إثر الخلوة في بيت الله، ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج، وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته، فإن الله، سبحانه وتعالى، يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد، وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه، كما بينه، - صلى الله عليه وسلم -.
ولما كان كل خلق داعيا لحاجته، وإن لم ينطق بها، أشار، تعالى، إلى مقصد إظهار الدعاء مقالا وابتهالا، فقال: {إِذَا دَعَانِ} ليكون حاله صدقا بمطابقة حاله [مقالا -].
(1/350)
وفي قراءة الاكتفاء بكسرة {الدَّاعِ} و {دَعَانِ} عن ياءيهما، وقراءة تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب، بحسب ما في ألسنة بعضها من التمكين، وما في ألسنة بعضها من الحذف. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.
وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاما، لاستغناء السيد، وحاجة العبد، فحين كان الغني مجيبا، كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيبا، يعني فلذلك سبب عنه قوله، إشارة إلى شرط الإجابة: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته، بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه، جاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء، لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف.
{لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
قال الْحَرَالِّي: والرشد: حسن التصرف في الأمر حسا أو معنى، في دين أو دنيا، ومن [مقتضى -] هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله، سبحانه وتعالى، من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك
(1/351)
سبيل قربه [إلى -] ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى.
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ}
قال الْحَرَالِّي: ففيه يسر، من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم، فعذرهم بعلمه فيهم، ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب، "التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار، ليجتمع اليمن في الطائفتين، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته، كما في هذه الآية التي أظهر الله، سبحانه وتعالى، الرفق فيها بهذه الأمة، من حيث شرع لها ما يوافق كيانها، وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه، وكذلك حال الآمر، إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها، وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا شاء
(1/352)
الله، تعالى، أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه، ونهاها عما جبلها على فعله، فتفشو فيهم المخالفة لذلك، وهر من أشد الآصار التي كانت على الأمم، فخففت عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع، سبحانه وتعالى، لهم إلى حظ من هواهم، كما قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها، للنبي: "إن ربك يسارع إلى هواك" ليكون لهم حظ مما لنبيهم كليته، وقال، عليه الصلاة والسلام، لعلي رضي الله تعالى، عنه: "اللهم أدر الحق معه حيث دار" كان، - صلى الله عليه وسلم -، يأمر الشجاع بالحرب، ويكف الجبان عنه، حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع، لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه، وأوفق لخلقه، وخلقه، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها، ومنه قوله، عليه الصلاة والسلام: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، حتى سمعت [أن] فارس [و] الروم يصنعون ذلك، فلا يضر ذلك
(1/353)
أولادهم شيئا" لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات، وطباع الأمم، لكونه رسولا إلى الناس كافة على اختلاف طبائعهم، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله، سبحانه وتعالى، الحكم فيه لأمة محمد، - صلى الله عليه وسلم -، على وفق ما تستقر فيه أمانتهم، وتندفع عنهم خيانتهم. وفي [قوله -] {وَعَفَا عَنْكُمْ} أي [بمحو -] أثر الذنب [إشعار لما كان يستحق ذلك من تطهر منه من نحو كفارة وشبهها، ولما كان ما أعلى إليه -] خطاب الصوم صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها، ليجري النهار على حكم العبادة، والليل على حكم الطبع والحاجة، فكان في هذا الإعلاء إطعام الضعيف مما يطعمه الله ويسقيه، لا لأنه منه أخذ
(1/354)
يطبع، بل بأنه حكم عليه بشرع، حين جعل الشرعة على حكم طباعهم، كما قال في الساهي: "إنما أطعمه الله وسقاه". وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب، كما قال، عليه الصلاة والسلام: "إني لست كهيئتكم" فكان يواصل، وأذن في الوصال إلى السحر، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم، فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه، فكان نكاحهم ائتمارا بحكم الله، لا إجابة طبع ولا غرض نفس، فقال: {فَالْآنَ} أي حين [أظهر -] لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم، وما جبلت عليه طباعكم فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم، "باشروهن" حكما، حتى استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلا، حيث صار طاعة، وهو من المباشرة، وهي التقاء البشرتين عمداً {وَابْتَغُوا} أي اطلبوا بجد ورغبة {مَا كَتَبَ اللَّهُ} أي الذي له القدرة الكاملة، فلا يخرج شيء عن أمره {لَكُمْ} أي من الولد أو المحل الحل، وفيه إشعار بأن ما قضى من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ذرئه على نكاح أمر
(1/355)
به، حتى كان بعض علماء [الصحابة] يفطر على النكاح {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} كان - صلى الله عليه وسلم -، يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، وقال: "إن الماء طهور" وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى.
{حَتَّى يَتَبَيَّنَ}
قال الْحَرَالِّي: بصيغة يتفعل، وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع يتكلف الطلوع، ولم يقل: بين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى.
{لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ}
وقال الْحَرَالِّي: فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط.
{مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}
وقال الْحَرَالِّي: ففيه إنهاض لحس الاستبصار في ملتقى الليل والنهار، حتى يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته [ورقته]، وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله، حتى [أخذ -] أعرابي
(1/356)
ينظر إلى خيطين محسوسين، فأنزل {مِنَ الْفَجْرِ} يعني فبين الأبيض، فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه، لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو الكلام، وهذه الاستعارة، وإن كانت متعارفة عندهم، فقد نطقت بها شعراؤهم، وتفاوضت [بها -] فصحاؤهم وكبراؤهم، لم يقتصر عليها، وزيد في البيان، لأنها خفيت على بعض الناس، منهم عدي بن حاتم، رضي الله تعالى عنه، فلم تكن الآية مجملة، ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي، - صلى الله عليه وسلم -، على عدي، رضي الله تعالى عنه، عدم فهمها.
وقال الْحَرَالِّي في كتاب له في "أصول الفقه"، بناء على أنها مجملة، والخطاب بالإجمال ممكن الوقوع، وليس يلزم العمل به، فالإلزام تكليف ما لا يطاق، وإلزام العمل يستلزم البيان، وإلا عاد ذلك الممتنع، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ممكن، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم المكون، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان، والبيان بمنزلة تخطيط
(1/357)
الصور، وذلك ظاهر عند من زاوله، وحينئذ فلا يقال خطاب الإجمال عديم الفائدة، لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة، وفي الاقتصار على بيانه [نمط -] من فصاحة الخطاب العربي، حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين، اكتفاء بأحدهما عن الآخر، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام، حيث لم يقل: {مِنَ اللَّيْلِ} كما قال: {مِنَ الْفَجْرِ} [اكتفاء بما -] في الفهم من الذكر، وفي وقوع المبين إثر غير مثله [نمط -] آخر من فصاحة الخطاب العربي، [لأن العرب] يردون الثالث إلى الأول، لا إلى الثاني، ليتعلق بالأول في المعنى، وينتظم بالثاني في اللفظ، فيكون محرز المحل المفهوم راجعا إلى الأول بالمعنى - انتهى.
{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}
وقال الْحَرَالِّي: فكان صوم إتماما لبدء ما صوم ليلة، فكأنه في الليل صوم ليس بتام، لانثلامه للحس، وإن كان في المعنى صوما، ومن معناه رأي بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب، لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف، وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما، وهو في النهار تمام بالمعنى والحس، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهارا واعتد به ليلا وجرى فيه الأكل والنكاح بالأمر، لأن النهار معاش، فكان الأكل فيه أكلا في وقت انتشار الخلق،
(1/358)
وتعاطي بعضهم من بعض، فيأنف عنه المرتقب، ولأن الليل سبات، ووقت توف وانطماس، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار، كأن المطعم بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه، فلم يقدح ذلك في معنى صومه وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي، بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - انتهى.
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}.
قال الْحَرَالِّي. وإنما كان العاكف في المساجد مكملا لصومه، لأن حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه، فإذاً المعتكف المتماسك عن التصرف [كله -] إلا ما لابد له من ضرورته، والصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو
(1/359)
المتمم [للصيام، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه - فليس بمتمم للصيام، فمن أطلق لسانه وأفعاله [فليس لله حاجة يدع طعامه وشرابه]، فإذاً حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته، حتى ثبت معناه للأكل ليلا ونهارا

رد مع اقتباس