طعم الخبز
منذ ستين عاما و أنا كل صباح أشتري الخبز من أقرب محل في الحي.
كنت أشتريه لأنني كنت الأصغر في العائلة، قبل ذهابي إلى المدرسة اقتطع من الخبز و اقضمه قرب مذياع يزودنا بأخبار عن فلسطين و عن أبطالها البواسل الذين كانوا يهاجمون ثكنات العدو موقعين افرادها بين قتيل و جريح ثم يعودون إلى قواعدهم سالمين...اخبار كانت تُلقى بصوت جميل جذاب يتقن مخارج الحروف ،صوت تم اختيار صاحبه بعناية شديدة....محظوظ صاحب هذا الصوت كان....
تخطيت الستين من العمر و ما زلت اشتري الخبز كل صباح، لأنني انا الأكبر و متفرغ لذلك و لأنني اخاف على الصغار من برد الصباح و من اولاد الحرام....
نعمأقتطع من الخبز كما تعودت ، أقضمه أمام تلفاز ذكي كبير الحجم بألوان زاهية أتابع أخبار فلسطين بصوت جميل جدا يصدر من مذيعة في غاية الجمال و الأناقة مع صور العنف و الدمار و الجثث....و الدم و الدموع....
كان الخبز شهيا او كان يبدو لنا كذلك ،يؤكل كله،و اليوم اصبح يُرمى نصفه دون أن نحتج على رداءته، العملات تغيرت صورها و اشكالها لكن طعمها لم يتغير ...

رد مع اقتباس