نصب الفاعل ورفع المفعول به
لهذه المسألة قصة لها مغزى وهو أن هناك حالات ومسائل في النحو العربي يمكن استغلالها للتشكيك في قواعد علم النحو العربي التي وضعها علماء النحو وبالتالي التشكيك في اللغة العربية واللغة العربية هي لغة القرآن الكريم .
سأل رجل ذات يوم في أحد المنتديات سؤالا ولما قرأته انتابني الشك في هذا الرجل وأنه قد يكون من أعداء اللغة العربية وقد لايكون كذلك إذ قد يكون من طلاب العلم الذين ردوا ما اتفقت عليه الأمة في علم النحو .
المهم أني رحبت به وقلت له هلا أجبت على سؤالي هذا لكي أفهم أكثر فسألت وأجاب فزادت شكوكي فأجبت على سؤاله وعلق هو على الإجابة مفندا ما فيها وهنا بدأ بيني وبينه حوار وجدل انتهى بأنه زعل وذهب فاشتكاني لإدارة المنتدى وأنا لم أخطئ عليه لكن ولله الحمد والفضل والمنة غلبته في الحجة فلما غلبته قال هذا من عندياتك .
هل تعرفون معنى قوله هذا من عندياتك؟
كان ينتظر مني أن أرد عليه بالمشهور من قول العلماء وهو رد مبني على الصنعة النحوية فلم أفعل وشطحت به بعيدا ورددت عليه بقول مبني على المعنى فلم يستطع أن يجاريني لأن ردي منطقي .
طبعا دار الحديث بيني وبينه حول مسائل من هذا النوع يريد أن يصل الى التشكيك في قواعد النحو العربي ولنبدأ من مسألة قطع النعت عن المنعوت قال :
مررت بزيدٍ الكريمِ - الكريمَ - الكريمُ
يجوز في الاسم(الكريم)الجر على أنه نعت والنصب على المدح كانه قيل(مررت بزيد أمدح الكريمَ)والرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو كانه قيل(مررت بزيد هو الكريمُ). وهذه الحالات الثلاث الجر والنصب والرفع هي جميع حالات إعراب الاسم ولو كان الاسم يجزم لانجزم(الكريم)في هذه المسألة.
قلت: وماقولك في جملة(رأيت زيدا الكريمَ)لايجوز هنا الجر وماقولك في جملة(هذا رجل كريمٌ)لايحوز هنا الجر ولا النصب لان النعت(كريم)هو الخبر في المعنى أي أن المتكلم لم يرد ان يخبر عن المشار إليه بأنه رجل ولكن أخبر عنه بأنه كريم.
ماقولك؟
فرد على السؤال بسؤال:
وما قولك في(خرق الثوبُ المسمارَ)؟
أعتقد أنك أيها القارئ قد تأكدت أنه يريد التشكيك في قواعد النحو فأتى بمسائل تفيد غرضه هذا .
طبعا المسمار هو الذي خرق الثوب لأن الخرق في الثوب وليس في المسمار فكيف رفع المفعول به ونصب الفاعل؟
هنا ندخل في مسألة خرق الثوبُ المسمارَ وأصلها هو أن الفاعل كما هو معلوم مرفوع أبدا والمفعول به منصوب أبدا لكن ورد غير هذا ثلاثة أمور :
رفعهما جميعا ونصبهما جميعا وهذان قليلان جدا وشاذان جدا أما ما ورد من نصب الفاعل ورفع المفعول به ففيه شواهد أكثر شعرية ونثرية وقد قال ابن مالك في الكافية:
ورفع مفعول به لا يلتبس
مع نصب فاعل رووا فلا تقس

يقصد أنهم قد رووا هذا عن العرب في أمثلة لايلتبس فيها الفاعل بالمفعول به أي مثل(غرس النخلة الفلاح)هذا المثال يعرف فيه الفاعل من المفعول به بالمعنى وكذلك(ضربت سامي سامية)الفاعل هو سامية لأن الفعل تم تأنيثه والفعل يؤنث لفاعله.
أما(ضرب موسى عيسى)فهنا لابد أن يتقدم الفاعل وجوبا لأنه يلتبس بالمفعول به حتى أن علامة الإعراب لاتظهر وكذلك مثل(ضرب عمراً زيدٌ)فالفاعل والمفعول به لايعرفان إلا بعلامة الإعراب.
ومعنى قوله(لاتقس)أن ماورد من هذا هو سماعي شذ عن القاعدة التي يقاس عليها وورد عليها قياسا كل كلام العرب وهي رفع الفاعل ونصب المفعول به .
ومادام أن هذا سماعي فلايصح لشاعر من زماننا أن ينصب الفاعل ويرفع المفعول به لأن هذا غير قياسي إنما هو سماعي مسموع عن العرب الفصحاء في زمن الفصاحة وهو من الجاهلية حتى منتصف القرن الثاني الهجري وهذا الشاعر الذي من زماننا ليس من ذلك الزمن والحق يقال أن مسألة استخدام شعراء زماننا لمثل هذه المسائل في الشعر طلبا للوزن بعضه قد يكون مقبولا وقد سأل ابن جني أستاذه أبا علي الفارسي عن مثل هذا فأجازه لكن مسألة نصب الفاعل ورفع المفعول به أعتقد أنه لامسوغ لها أن يستخدمها شاعر من زماننا .
أقصد أن هناك غير ماهو معروف بالضرورات الشعرية مثل صرف الممنوع من الصرف كثير جدا في الشعر القديم من زمن الفصاحة بعضه قد يثور عليك الناس إذا استخدمته في شعرك مثلا إشباع حركة الحرف الذي في وسط الكلمة فقد ورد في الشعر القديم كلمة(أنظُورُ)أي الفعل المضارع(أنظر)فأشبع حركة حرغ الظاء الضمة حتى صارت واواُ وقد اظطر لذلك لأن الكلمة كانت قافية
(أمن اللبس)ليس هو العلة التي خرجواوا بها هذه المسألة او الظاهرة من جهة الصنعة النحوية ولكن هو شرط أما العلة فهي(تقارض اللفظين).
وشاهد نصبهما جميعا هو:
قد سالم الحيات منه القدما
الأفعوان والشجاع الشجعما
وذات قرنين ضموزا ضرزما

هذا رجز منسوب لخمسة شعراء والشاهد في كلمة(الحيات)وهي الفاعل والمفعول به هو كلمة(القدما)والمعنى هو أن الحيات قد سالمت قدمه فلا تلدغها ولاتعضها وكلمة(الحيات)فيها رواية بالنصب فيكون الشاعر قد نصب الفاعل(الحيات)والمفعول به(القدم).
وشاهد رفعهما جميعا هو:
إن من صاد عقعقا لمشوم
كيف من صاد عقعقان وبومُ

البيت للطرماح وموضع الشاهد هو(مَن صاد عقعقان وبومُ) أي صاد هو فالفاعل ضمير مستتر وكلمة عقعقان هي المفعول به وهي مرفوعة بالألف لأنها مثنى وبوم معطوفة عليها مرفوعة مثلها.
طبعا لاحظت أن الطرماح احتاج رفع المفعول به في القافية حتى يرفع (بوم) لابد ان يعطفها على مرفوع فرفع المفعول به(قعقعان)لأمن اللبس.
ونصب الفاعل ورفع المفعول به له شواهد كثيرة فمن الشواهد النثرية :
خرق الثوبُ المسمارَ
كسر الزجاجُ الحجرَ
ومن الشواهد الشعرية:
بلغت سوءاتِها هجرُ
هذا هو موضع الشاهد من بيت للأخطل.
وقال ابن الطراوة ومنه قوله تعالى(فتلقى آدم من ربه كلمات)المشهور في قراءتها رفع آدم ونصب كلمات لكن فيها قراءة بنثب آدم ورفع كلمات وهذه القراءة هي التي قال عنها ابن الكراوة أنها من هذه المسألة .
وليس كلامه بشيء بل لايجوز أن يقال لأن من لاقاك فقد لاقيته وهذا من المفاعلة تقول(ضارب زيدٌ عمراً)رفعت زيدا ونصبت عمرا ثم تقول(تضارب زيدٌ وعمروٌ)رفعتهما جميعا لأن هذا من المفاعلة يشترك الفاعل والمفعول به في الفاعلية والمفعولية .
ولايجوز أن يكون مثل هذه المسألة في القرآن الكريم إذا كان الناس رفضوا أن يعرب القرآن الكريم بلغة أكلوني البراغيث وهي لغة عربية سليمة فكيف نقول بمسألة هي شاذة في القياس .
لغة أكلوني البراغيث فيها فاعلان بدون عطف هما واو الجماعة والبراغيث ولذا قال عنها العلماء أنها لغة ضعيفة وهي تشبه العامية مثل ضربوني الأولاد.
في القرآن الكريم(وأسروا النجوى الذين ظلموا)وفي الحديث(يتعاقبون فيكم الملائكة).
تكون الواو في هذه الأمثلة حرفا وليست ضميرا حتى لايكون هناك فاعلان بلا عطف لأن الفعل لايصل بنفسه إلى فاعلين أي لا يقال(قام زيدٌ عمروٌ)ولكن يقال(قام زيدٌ وعمروٌ)فالفعل استطاع الوصول بنفسه الى الفاعل الأول(زيد)ثم ساعده حرف العطف الواو في الوصول الى الفاعل الثاني(عمرو)فحرف العطف وظيفته النحوية هي انه يساعد العامل في الوصول الى المعمول الذي لايستطيع العامل أن يصل إليه بنفسه مثل الفعل الذي له فاعلان كما في هذا المثال .
يعني أن العرب قديما تقول(أكلني البراغيث)إلا قبائل قليلة جدا أشهرهم فبيلة بلحارث بن كعب(الحارثي) كانت تقول كلاما مثل(أكلوني البراغيث).
العرب(أكلني البراغيث).
الحُرَّث(أكلوني البراغيث).
وكان النحوي الشهير ابن مالك يسمي هذه اللغة أو اللهجة أقصد أن التي نسميها اليوم لهجات عربية كان العلماء قديما يسمونها لغات كان يسميها لغة(يتعاقبون فيكم الملائكة)وبكلامه هذا أثبت أن هذه اللهحة موجودة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في صحيح البخاري .
تخريح مسألة خرق الثوبُ المسمارٍ
أولا :التخريج من جهة المعنى
قال شيخي أبو أوس الشمسان:خرق الثوبُ المسمارَ من المقلوب مثل:دخل الخاتم في الإصبع.
يقصد بالقلب جعل المفعول فاعلا والفاعل مفعولا فالإصبع هو الذي دخل في الخاتم وليس الخاتم هو الذي دخل في الإصبع لأن معنى حرف الجر(في)هو الظرفية ألست تقول(دخلت شوكة في إصبعي)فالشوكة قد اخترقت جلد الإصبع ودخلت فيه وهذا هو معنى الظرفية مثل دخل زيد في البيت فصار البيت يظرفه أي يحيط به مثل الرسالة الورقية التي تكون في الظرف.
فالإصبع لم يظرف الخاتم أي لم يدخل فيه الخاتم ولكن الخاتم هو الذي يظرف الإصبع أي دخل فيه الإصبع وصار الخاتم يحيط بالإصبع وليس الإصبع يحيط بالخاتم .
ثانياً:التخريج من جهة الصناعة النحوية:
مسألة نصب الفاعل ورفع المفعول به هي مسألة من مسائل نحوية كثيرة تعود إلى قاعدة من القواعد الكلية هي(تقارض اللفظين)وبها تم تعليل مسألة نصب الفاعل ورفع المفعول به.
من هذه المسائل مثلا:
تقارض(أنْ)المصدرية الناصبة و(ما)المصدرية المهملة التي لاتعمل أي لاتنصب الفعل ولاتجزمه قال الشاعر:
ان تقرآن على أسماء ويحكما
مني السلام وألا تشعرا أحدا
موضع الشاهد(أن تقرآن)لم ينصب الفعل فيحذف النون ويقول(أن تقرآ)لأنه اقترض عدم عمل(أن)هنا من(ما)المصدرية.
لكنه نصب بأن أخرى بعدها(أن لا تشعرا)ولم يقل(أن لا تشعران)فدل هذا على أنه احتاج للنون في(أن تقرآن)في الوزن فلجأ لما سماه العلماء تقارض اللفظين.
وفي الحديث(كما تكونوا يولى عليكم)فحذف النون من غير جازم أو ناصب هنا على قاعدة تقارض اللفظين أي اقتراض(ما)المصدرية التي لاتعمل العمل من(أن)المصدرية الناصبة فنصبت الفعل المضارع.
....................................
حاشية للفائدة
قد سالم الحيات منه القدما
الأفعوان والشجاع الشجعما
وذات قرنين ضموزا ضرزما

لاحظ كلمة(الشجعم) هي شجعم فما أصل هذه الكلمة؟
لكن قبل ذلك هذه الأبيات من شواهد سيبويه لكن برفع الحيات ونصب الأفعوان والأفعوان بدل من الحيات فالأفعوان والشجاع وذات قرنين هي الحيات التي سالمت منه القدم فكيف نصبت والحيات مرفوعة؟
كلام سيبويه يفيد بأنها منصوبة بفعل محذوف(سالمت القدمُ الأفعوانَ و...و...)لأن الفعل(سالم)فيه مفاعلة أي يجوز ان تقول واصفا مشهدا واحدا:
سالم زيدٌ عمراً(تجعل زيد فاعل وعمرو مفعول به)
سالم عمروٌ زيدا(تعكس)
تسالم زيدٌ وعمروٌ(تجعلهما فاعلين)
وهذا أحد تفسيرات ظاهرة نصب الفاعل ورفع المفعول به مثل ضارب زيدٌ عمرا وضارب عمروٌ زيدا وتضارب زيدٌ وعمروٌ وقس على كل أفعال المفاعلة التي على وزن فاعَلَ وتفاعَل بفتح العين مثل خاصم تخاصم وقابل تقابل وهكذا .
قال ابن منظور في لسان العرب:
وحَيَّةٌ*شَجْعَم*: شديدة غليظة ،*والشَّجعَم*من نعت الحية الشجاع ؛ قال : قد سالَمَ الحَيّاتُ منه القَدَما *** الأُفْعُوانَ والشُّجاعَ*الشَّجْعَما*قال ابن سيده : ولم يقض على هذه الميم بالزيادة إِذ لم يوجب ذلك ثَبْثٌ ، ولا تزاد الميم إِلَّا بثَبْتٍ لقلة مجيئها زائدة في مثله ، هذا مذهب سيبويه ، وذهب غيره إِلى أَن فَعْلَمٌ من الشجاعة .
قول ابن سيده(هذا مذهب سيبويه)أي أن الميم من(شجعم)ليست حرفاً زائدا لأن الميم لاتزاد في آخر الكلمة وإنما تزاد قياساً في أول الكلمة مثل اسم المفعول مضروب على وزن مفعول فأصلها ض ر ب الفعل الماضي الثلاثي(ضرب)أصل ثلاثي فزيدت الميم في أول الكلمة(مضروب)وزيدت الواو في وسط الكلمة فكلمة(مضروب)مكونة من خمسة حروف ثلاثة هي أصول(الضاد والراء والباء)وحرفين زائدين(الميم والواو).
ومثل مضروب على وزن مفعول منحار على وزن مفعال وموقد على وزن مفعل وهكذا تزاد الميم قياسا مظطردا في أول الكلمة .
وسمعوا عن العرب ألفاظ مثل شجعم وزرقم من الزرقة اللون الأزرق وابنم من البنوة مثل ابن ولاتفسير لهذه الميم.
فيكون مذهب سيبويه أن هذه الميم ليست حرفا زائدا وكلمة(شجعم)ليست من الشجاعة التي اصلها ثلاثي(شجع الشين والجيم والعين)
ومعنى قول ابن سيده(وذهب غيره إلى أن فعلم من الشجاعة)أي أن كلمة(شجعم)أصلها ثلاثي(شجع الشين والجيم والعين)فتكون الميم بهذا حرفا زائدا وهذا قول عجيب ضد القياس المظطرد الذي تزاد فيه الميم في أول الكلمة وقول سيبويه صحيح من جهة الصناعة النحوية والصرفية لكنه عجيب أيضا من جهة انه ليس في العربية شَجعمَ شجعمة مثل دحرج دحرجة وبعثر بعثرة.
فما حكاية هذه الميم من شجعم؟
الذي ملت إليه هو أنها ظاهرة لغوية قديمة جدا تسمى التمييم مثل التنوين فلغات الجزيرة العربية القديمة قبل آلاف السنين التي يسمونها اللغات السامية سلكت طريقين طريق التنوين أي نون ساكنة في آخر الاسم مثل(رجلٌ)تنطق هكذا(رجلُنْ)مثل اللغة العربية الفصحى ولغات سلكت طريق التمييم أي ميم ساكنة في آخر الاسم مثل رجل تنطق بالتمييم هكذا(رجلُمْ)وهذا مثل اللغة البابلية القديمة وهي تشبه العربيات في النحو تماما حتى الأسماء الخمسة فيها ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء مثل العربية الفصحى تماما .
إلا أن العلماء القدامى لم يعرفوا ظاهرة التمييم لأنه لم يكتشف في ذلك الوقت من النقوش الأثرية شيء به هذه الظاهرة مثل نقش قوانين حمورابي المكتوب بالبابلية القديمة قبل 1750 سنة قبل الميلاد*أي حوالي خمس وسبعين وسبع مئة وثلاثة آلاف سنة من الآن.
والذي ملت إليه أن كلمة بلعوم من هذه الظاهرة كانت(بلعُم)بالتمييم ثم أشبعت حركة العين فصارت بلعوم لأن بلعوم أصلها ب ل ع فيكون وزنها فعلوم وليس في العربية مثل هذا الوزن لأن الميم إنما تزاد في العربية في أول الاسم .
بإذن الله سأكتب مقالا خاصا عن العلاقة بين التمييم والتنوين .
والله أعلم