فِي حُضْرَةِ المَسَاءِ تَنْحَنِي المَدِينَةُ كَأَرْمَلَةٍ تُمْسِكُ بِآخِرِ نُورٍ فِي عَيْنَيْهَا، وَتَضُمُّ إِلَى صَدْرِهَا حِكَايَاتٍ لَمْ يُكْتَمِلْ لَهَا مِيلَادٌ. تَنْفُثُ المَصَابِيحُ أَنْفَاسَهَا الخَافِتَةَ عَلَى الأَرْصِفَةِ، فَتُشَكِّلُ مِنَ الصَّمْتِ قَصَائِدَ لَا قَافِيَةَ لَهَا، قَصَائِدَ تُقْرَأُ بِعَيْنٍ تَنْحَنِي لِلْحَقِيقَةِ.
وَأَنْتَ، يَا مَنْ تَسْكُنُ طَيْفَ الكَلَامِ، تَمْشِي بِخُطًى لَا تُسْرِعُ وَلَا تَتَبَاطَأُ؛ تَزْرَعُ فِي الهَوَاءِ أَسْمَاءً لَمْ تُولَدْ بَعْدُ، وَتَضَعُ عَلَى كُلِّ اسْمٍ خَتْمَ انْتِظَارٍ. بَيْنَ يَدَيْكَ صُنْدُوقُ صِدْقٍ صَغِيرٌ أَضِيقُ مِنَ اللِّسَانِ وَأَوْسَعُ مِنَ السَّمَاءِ .. فِيهِ وُجُوهٌ أَطْفَأَهَا الغِيابُ، وَوُعُودٌ غَارِقَةٌ فِي ضَبَابِ المُمْكِنِ، وَسَمَاءٌ قَدْ تَنْكَسِرُ حِينَ تَتَعَثَّرُ كَلِمَةٌ.
أَغْلِقْ عَيْنَيْكَ. لَيْسَ لِتَهَرُّبٍ، بَل لِتَسْمَعَ المَدِينَةُ تَحْتَاجُ مَنْ يَعْرِفُ سِرَّ المُقَاوَمَةِ .. أَنْ يُحِبَّ شَيْئًا وَاحِدًا بِعُمْقٍ حَقِيقِيٍّ، وَأَنْ يَدَعَ بَقِيَّةَ الاحْتِمَالَاتِ تَمُرَّ دُونَ أَنْ يَفُتَّ فِيهَا. أَنْ تَكُونَ مُقَاوِمًا بِالصَّمْتِ، أَنْ تُعْلِنَ حُبَّكَ لِلظِّلَالِ فَقَطْ، كَيْ لَا يُسَاءَ الصِّدْقُ، كَيْ يَبْقَى الخَبَأُ آمِنًا مِنْ سُوءِ الفَهْمِ.
اللَّيْلُ هُنَا حَيٌّ، يَجْهُرُ بِصَمْتٍ أَبْلَغُ مِنْ أَيِّ كَلَامٍ؛ الذِّكْرَيَاتُ الَّتِي ظَنَنْتَهَا تَائِهَةً تَتَحَوَّلُ إِلَى أَجْنِحَةٍ. المَطَرُ عَلَى الزُّجَاجِ يَنْسِجُ حِكَايَاتٍ لَا يَسْمَعُهَا سِوَى مَنْ أَحَبَّ حَتَّى الاِنْكَسَارِ. وَكُلُّ دَقِيقَةٍ تَمْضِي تُبْطِئُ الزَّمَنَ، تَخْتَبِرُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الوُقُوفَ فِي حُضْرَةِ هَذَا الصَّمْتِ .. صَمْتٍ يَضُمُّ كُلَّ شَيْءٍ وَيُخْبِرُكَ بِأَنَّ الصِّدْقَ يَكْفِي.
وَفِي النِّهَايَةِ، تَبْقَى اللَّحْظَةُ أَنْتَ، وَأَنَا، وَمَسَافَةُ هَوَاءِ تَئِنُّ بَيْنَنَا. المُقَاوَمَةُ هُنَا لَيْسَتْ ثَوْرَةً مُدَوِيَةً، بَل حُبٌّ صَامِتٌ وَعَمِيقٌ؛ صُنْدُوقٌ صَغِيرٌ لَا يَتَّسِعُ لِلْكَلَامِ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ كُلَّ مَا يُنْقِذُ المَدِينَةَ مِنْ أَنْ تَنْطَفِئ.


رد مع اقتباس



