تَهُبُّ الرِّيحُ مِنْ أَعْمَاقِ الْوَادِي الْمُنْسِيِّ،
صَفِيرُهَا كَعَزْفٍ خَفِيٍّ عَلَى أَوْتَارِ أَرْوَاحٍ تَجَمَّدَتْ مِنْ فَرْطِ الْخَيْبَةِ.
تَجُرُّ خَلْفَهَا أَشْلَاءَ ذِكْرَيَاتٍ مُتَفَتِّتَةٍ،
كَأَوْرَاقِ شَجَرَةٍ عَتِيقَةٍ تَرْتَعِشُ فِي وَجْهِ عَاصِفَةٍ لَا تَعْرِفُ الرَّأْفَةَ،
وَتَحْمِلُ فِي نَفَسِهَا رَوَائِحَ أَرْضٍ بَكِيَّةٍ،
وَأَنِينَ جِدَارٍ مُتَشَقِّقٍ يَرْوِي سِرَّ عَاشِقٍ
تَرَكَهُ الْحُبُّ وَحِيدًا يَحْرُسُ بَابَ أَمَلٍ أُغْلِقَ قَبْلَ أَنْ يُجَرَّبَ فَتْحُهُ.
فِي ذَلِكَ الْوَادِي الْمُعْتِمِ،
تَتَصَاعَدُ الْكَلِمَاتُ كَدُخَانِ بُخُورٍ مِنْ قُلُوبٍ تَحْتَرِقُ بِصَمْتِهَا،
تَتَشَكَّلُ طُيُورًا لَيْلِيَّةً بِأَجْنِحَةٍ مِنْ زُجَاجٍ هَشٍّ،
تَحُومُ فَوْقَ أَسْوَاقِ الْحُزْنِ،
حَيْثُ يُقَايِضُ التُّجَّارُ أَجْزَاءً مِنْ أَرْوَاحِهِمْ
بِنَظْرَةٍ عَابِرَةٍ مِنْ عَيْنَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ،
وَيَحْمِلُ الْمَارُّونَ أَثْقَالَ الْغَيْبِ
كَمَنْ يَحْمِلُ أَسْرَارًا لَا يُفْصَحُ عَنْهَا
إِلَّا لِعُتْمَةِ اللَّيْلِ.
هُنَاكَ .. يَقِفُ الْعَاشِقُ وَحِيدًا كَصَخْرَةٍ فِي قَلْبِ بَحْرٍ هَائِجٍ،
يَرْفَعُ يَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ،
كَأَنَّهُ يَلْتَقِطُ شَظَايَا نَجْمَةٍ هَوَتْ
مِنْ قُبَّةِ أَحْلَامٍ شُقَّتْ بِسِكِّينِ الْخَيْبَةِ.
فَتَجْرِي صَلَاتُهُ نَهْرًا يَعْكِسُ جِهَةَ الزَّمَنِ،
يَسْقِي جُذُورَ قَلْبٍ أَلِفَ الْجَفَافَ،
وَمَا زَالَ يَحْلُمُ بِغَيْثٍ يَعُمُّ وَادِيَهُ.
وَحِينَ تَصْحُو الرِّيحُ مِنْ غَفْوَتِهَا،
تَزِيحُ حِجَابَهَا الْمُرْتَعِشَ،
فَيَبْدُو الْوَادِي عَارِيًا أَمَامَ صَمْتِهِ:
أَشْجَارٌ كَشَوَاهِدَ صَبُورَةٍ عَلَى أَحْلَامٍ وُلِدَتْ وَمَاتَتْ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ،
وَصُخُورٌ كَمَرَايَا مُنْحَنِيَةٍ تَعْكِسُ وُجُوهَ الْمَارِّينَ
بِلَوْعَةٍ تَخْتَبِئُ خَلْفَ ضِحْكَةٍ مُصْطَنَعَةٍ.
أَيْنَ أَنْتَ، يَا أُذُنَ اللَّيْلِ
الَّتِي تَسْمَعُ هَمْسَ الْأَرْضِ
دُونَ أَنْ تَفِكَّ شِفْرَةَ أَلَمِهَا؟
وَأَيْنَ أَنْتَ، يَا قَلْبَ الْوَادِي
النَّابِضَ بِدِمَاءِ الْغُرَبَاءِ،
وَالْحَالِمَ بِعَوْدَةِ الْمُسَافِرِينَ؟
اِمْضِ فِي وَادِي الْأَسْرَارِ،
فَالرِّيحُ لَا تُجَامِلُ وَلَا تَحْتَضِنُ
إِلَّا مَنْ يَجْرُؤُ عَلَى الرَّقْصِ مَعَهَا
حَتَّى يَذُوبَ فِي أُفُقِ الْفَجْرِ،
وَيَكْتُبَ عَلَى وَجْهِ الصَّبَاحِ:
الْحَيَاةُ رَقْصَةٌ مَعَ الرِّيحِ وَالْأَلَمِ،
وَلَا يَسْقُطُ فِيهَا إِلَّا مَنْ يَخَافُ أَنْ يُحَلِّقَ.


رد مع اقتباس


