أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: حافة اليقين

  1. #1

    افتراضي حافة اليقين


    فِي آخِرِ الْمَمَرِّ لَمْ تَكُنْ نِهَايَةً، بَلْ فِكْرَةً تَرَاجَعَتْ عَنْ يَقِينِهَا.
    عَتَبَةٌ .. لَا تُفْضِي إِلَى مَكَانٍ،
    بَلْ تُخَلْخِلُ الْمَكَانَ مِنْ مَعْنَاهُ، وَتُزِيحُ الْوُجُودَ عَنْ حَافَّتِهِ الْمَأْلُوفَةِ.
    لَمْ تَكُنْ بَابًا، بَلْ شَقًّا فِي طُمَأْنِينَةِ الْجُدْرَانِ،
    تَمَزُّقًا رَقِيقًا فِي هَنْدَسَةِ الْيَقِينِ، جِلْدَ صَمْتٍ مُتَشَقِّقًا يَتَنَفَّسُ عَلَى مَهَلٍ
    وَيَبْتَلِعُ الضَّجِيجَ قَبْلَ أَنْ يُمْنَحَ حَقَّ الِاسْمِ.
    كُلَّمَا اقْتَرَبْتَ انْكَمَشَ الْهَوَاءُ، كَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ ذَنْبًا قَدِيمًا.
    تَرَى الْعَيْنُ وَلَا تَثِقُ، وَتَرْتَعِشُ الْأُذُنُ كَأَنَّهَا تَلْتَقِطُ صَدًى
    يُـمْحَى وَهُوَ يُسْمَعُ.
    هُنَاكَ .. كَانَ الضَّوْءُ مَنْزُوعَ الْأَصْلِ،
    يُسْحَبُ مِنْ أَطْرَافِهِ وَيُعْصَرُ بِبُطْءٍ حَتَّى يَصِيرَ لَمَعَانًا مُنْهَكًا
    يَلْتَصِقُ بِالْجِلْدِ شَاهِدًا، ثُمَّ يَنْسَحِبُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
    مَا خَلْفَهَا - إِنْ جَازَ لَهُ اسْمٌ - لَا يُرَى،
    لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ هُنَا فِعْلٌ سَاذَجٌ. لَكِنَّهُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ النَّبْضِ
    كَمَا تُقَلَّبُ عُمْلَةٌ فَقَدَتْ صُورَتَهَا وَبَقِيَ وَزْنُهَا.
    لَا يَنْفَتِحُ،
    إِذْ لَا حَاجَةَ لَهُ بِكَ.
    يَمْتَصُّ الْمَسَافَةَ كَمَا يَمْتَصُّ الْجُرْحُ مَا حَوْلَهُ،
    وَيُفْرِغُ الْحُدُودَ مِنْ وَظِيفَتِهَا،
    فَتَقِفُ .. وَلَا تَدْرِي أَيْنَ يَبْدَأُ الْوُقُوفُ.
    وَرَاءَهَا لَيْسَ فراغا، بَلْ تَمَزُّقًا مُضِيئًا،
    حَقِيقَةً مَنْزُوعَةَ السِّيَاقِ مُعَلَّقَةً فِي الْهَوَاءِ
    كَثَوْبٍ يَتَذَكَّرُ الْجَسَدَ .. وَلَا يَجِدُهُ.
    الدُّخُولُ لَا يَحْتَاجُ قَرَارًا؛
    يَكْفِي .. أَنْ تَهْتَزَّ فِيكَ ذِكْرَى بِلَا سَبَبٍ،
    أَنْ يَتَبَاطَأَ اسْمُكَ فِي رَأْسِكَ،
    أَنْ تَشُكَّ - لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ - أَنَّكَ أَنْتَ.
    عِنْدَهَا تنحني الْعَتَبَةُ لَا احْتِرَامًا
    بَلْ كَوَظِيفَةٍ.
    تَفْتَحُ صَدْعًا نَحِيلًا يَسْحَبُكَ كَمَا يَسْحَبُ النَّوْمُ
    عَيْنًا أَرْهَقَهَا التَّذَكُّرُ.
    لَا أَحَدَ يَعُودُ.
    لَا لِأَنَّهُمْ ابْتُلِعُوا، بَلْ لِأَنَّ الدَّاخِلَ يَذُوبُ،
    يَتَحَوَّلُ إِلَى شَذَرَاتِ صَوْتٍ،
    إِلَى بَقَايَا مَعْنًى تَبْحَثُ عَنْ فَمٍ
    وَلَا تَجِدُ سِوَى الصَّمْتِ.
    تَتَرَاكَمُ الْبَقَايَا عَلَى سَطْحِهَا،
    فَتَكْتَسِبُ مَلْمَسًا بَشَرِيًّا مُرِيبًا،
    وَتَبْدَأُ - بِبُطْءٍ وَاعٍ - فِي التَّعَلُّمِ.
    وَفِي الصَّبَاحِ، حِينَ يَمُرُّ أَوَّلُ عَابِرٍ،
    يَظُنُّ أَنَّ الْمَكَانَ ابْتَسَمَ. لَكِنَّ مَا انْعَكَسَ فِي عَيْنَيْهِ
    لَمْ يَكُنْ وَجْهَهُ، بَلِ احْتِمَالَهُ الْمُؤَجَّلَ -
    نُسْخَتَهُ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ
    كَيْفَ تَخْتَفِي.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    الصورة الرمزية عبدالله عويد محمد
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل: Jun 2012
    الدولة: العراق
    عدد المشاركات: 48
    :عدد المواضيع 9
    :عدد الردود
    المعدل اليومي 0.01

    افتراضي

    نصّ ثقيل بالجمال، شفيف بالقلق،
    ومتماسك كحلمٍ يعرف طريقه إلى الداخل.

    تحيتي لك… وإعجابي بهذا الأفق الذي لا يُرى،
    لكنه يُغيّر من يقترب.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3

    افتراضي

    أقرأ للأستاذة آمال هنا ...
    نصا ثريا، قوي البنيان أسلوبا وخيالا... حول المنطقة الرمادية؛ تلك اللحظة التي يفقد فيها اليقين صلابته. الكاتبة لا تتحدث عن باب حقيقي، بل عن شَقّ في طمأنينة الجدران"، وهو تعبير عبقري عن القلق الوجودي الذي يداهم الإنسان حين يشك في بديهيات حياته. هل سنظل نراوح في الزاوية الرمادية، أم أن حقيقة الذات ستتجلى ساعة ما على حقيتها في مرايا اليقين؟ ربما.
    تحياتي لصاحبة القلم الثري والوجدان الراقي.

  4. #4

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله عويد محمد مشاهدة المشاركة
    نصّ ثقيل بالجمال، شفيف بالقلق،
    ومتماسك كحلمٍ يعرف طريقه إلى الداخل.
    تحيتي لك… وإعجابي بهذا الأفق الذي لا يُرى،
    لكنه يُغيّر من يقترب.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    سعيدة أن "حافّة اليقين" وجدت لديك هذا الامتداد،
    فبعض النصوص لا تكتمل إلا بعينٍ تعرف كيف ترى ما لا يُرى.
    امتناني لحضورك الذي يضيف إلى المعنى بعدًا،
    ويجعل الأفق أبعد، وأوضح في آنٍ معًا.
    تقديري الكبير

  5. #5

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد نديم مشاهدة المشاركة
    أقرأ للأستاذة آمال هنا ...
    نصا ثريا، قوي البنيان أسلوبا وخيالا... حول المنطقة الرمادية؛ تلك اللحظة التي يفقد فيها اليقين صلابته. الكاتبة لا تتحدث عن باب حقيقي، بل عن شَقّ في طمأنينة الجدران"، وهو تعبير عبقري عن القلق الوجودي الذي يداهم الإنسان حين يشك في بديهيات حياته. هل سنظل نراوح في الزاوية الرمادية، أم أن حقيقة الذات ستتجلى ساعة ما على حقيتها في مرايا اليقين؟ ربما.
    تحياتي لصاحبة القلم الثري والوجدان الراقي.
    قراءتك شاعرنا القدير لم تكتفِ بملامسة النص، بل دخلت في طبقاته الخفية،
    كأنك لم تقف عند العتبة، بل اختبرت ارتجافها.
    أدهشني التقاطك للشقّ في طمأنينة الجدران بوصفه قلقًا وجوديًا؛
    فالنص كما تفضلت، لا يروي حكاية باب، بل لحظة يتداعى فيها اليقين على مهل،
    وتصبح المسافة بين الذات ومرآتها سؤالًا مفتوحًا لا يُحسم.
    أما سؤالك : هل نظل في المنطقة الرمادية أم تتجلّى الحقيقة؟
    فربما كانت الكتابة نفسها هي هذا الوقوف المعلّق
    لا بحثًا عن يقينٍ صلب، بل عن وعيٍ أصدق بارتباكه.
    امتناني لقراءة بهذا النقاء الفكري،
    ولقلمٍ يمنح النص حياةً ثانية في مرآة التأمل.
    تقديري الكبير