فِي آخِرِ الْمَمَرِّ لَمْ تَكُنْ نِهَايَةً، بَلْ فِكْرَةً تَرَاجَعَتْ عَنْ يَقِينِهَا.
عَتَبَةٌ .. لَا تُفْضِي إِلَى مَكَانٍ،
بَلْ تُخَلْخِلُ الْمَكَانَ مِنْ مَعْنَاهُ، وَتُزِيحُ الْوُجُودَ عَنْ حَافَّتِهِ الْمَأْلُوفَةِ.
لَمْ تَكُنْ بَابًا، بَلْ شَقًّا فِي طُمَأْنِينَةِ الْجُدْرَانِ،
تَمَزُّقًا رَقِيقًا فِي هَنْدَسَةِ الْيَقِينِ، جِلْدَ صَمْتٍ مُتَشَقِّقًا يَتَنَفَّسُ عَلَى مَهَلٍ
وَيَبْتَلِعُ الضَّجِيجَ قَبْلَ أَنْ يُمْنَحَ حَقَّ الِاسْمِ.
كُلَّمَا اقْتَرَبْتَ انْكَمَشَ الْهَوَاءُ، كَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ ذَنْبًا قَدِيمًا.
تَرَى الْعَيْنُ وَلَا تَثِقُ، وَتَرْتَعِشُ الْأُذُنُ كَأَنَّهَا تَلْتَقِطُ صَدًى
يُـمْحَى وَهُوَ يُسْمَعُ.
هُنَاكَ .. كَانَ الضَّوْءُ مَنْزُوعَ الْأَصْلِ،
يُسْحَبُ مِنْ أَطْرَافِهِ وَيُعْصَرُ بِبُطْءٍ حَتَّى يَصِيرَ لَمَعَانًا مُنْهَكًا
يَلْتَصِقُ بِالْجِلْدِ شَاهِدًا، ثُمَّ يَنْسَحِبُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
مَا خَلْفَهَا - إِنْ جَازَ لَهُ اسْمٌ - لَا يُرَى،
لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ هُنَا فِعْلٌ سَاذَجٌ. لَكِنَّهُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ النَّبْضِ
كَمَا تُقَلَّبُ عُمْلَةٌ فَقَدَتْ صُورَتَهَا وَبَقِيَ وَزْنُهَا.
لَا يَنْفَتِحُ،
إِذْ لَا حَاجَةَ لَهُ بِكَ.
يَمْتَصُّ الْمَسَافَةَ كَمَا يَمْتَصُّ الْجُرْحُ مَا حَوْلَهُ،
وَيُفْرِغُ الْحُدُودَ مِنْ وَظِيفَتِهَا،
فَتَقِفُ .. وَلَا تَدْرِي أَيْنَ يَبْدَأُ الْوُقُوفُ.
وَرَاءَهَا لَيْسَ فراغا، بَلْ تَمَزُّقًا مُضِيئًا،
حَقِيقَةً مَنْزُوعَةَ السِّيَاقِ مُعَلَّقَةً فِي الْهَوَاءِ
كَثَوْبٍ يَتَذَكَّرُ الْجَسَدَ .. وَلَا يَجِدُهُ.
الدُّخُولُ لَا يَحْتَاجُ قَرَارًا؛
يَكْفِي .. أَنْ تَهْتَزَّ فِيكَ ذِكْرَى بِلَا سَبَبٍ،
أَنْ يَتَبَاطَأَ اسْمُكَ فِي رَأْسِكَ،
أَنْ تَشُكَّ - لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ - أَنَّكَ أَنْتَ.
عِنْدَهَا تنحني الْعَتَبَةُ لَا احْتِرَامًا
بَلْ كَوَظِيفَةٍ.
تَفْتَحُ صَدْعًا نَحِيلًا يَسْحَبُكَ كَمَا يَسْحَبُ النَّوْمُ
عَيْنًا أَرْهَقَهَا التَّذَكُّرُ.
لَا أَحَدَ يَعُودُ.
لَا لِأَنَّهُمْ ابْتُلِعُوا، بَلْ لِأَنَّ الدَّاخِلَ يَذُوبُ،
يَتَحَوَّلُ إِلَى شَذَرَاتِ صَوْتٍ،
إِلَى بَقَايَا مَعْنًى تَبْحَثُ عَنْ فَمٍ
وَلَا تَجِدُ سِوَى الصَّمْتِ.
تَتَرَاكَمُ الْبَقَايَا عَلَى سَطْحِهَا،
فَتَكْتَسِبُ مَلْمَسًا بَشَرِيًّا مُرِيبًا،
وَتَبْدَأُ - بِبُطْءٍ وَاعٍ - فِي التَّعَلُّمِ.
وَفِي الصَّبَاحِ، حِينَ يَمُرُّ أَوَّلُ عَابِرٍ،
يَظُنُّ أَنَّ الْمَكَانَ ابْتَسَمَ. لَكِنَّ مَا انْعَكَسَ فِي عَيْنَيْهِ
لَمْ يَكُنْ وَجْهَهُ، بَلِ احْتِمَالَهُ الْمُؤَجَّلَ -
نُسْخَتَهُ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ
كَيْفَ تَخْتَفِي.


رد مع اقتباس
