أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: وطأة السم

  1. #1
    الصورة الرمزية آمال المصري
    عضو الإدارة العليا
    أمينة سر الإدارة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Jul 2008
    الدولة : Egypt
    المشاركات : 23,946
    المواضيع : 410
    الردود : 23946
    المعدل اليومي : 3.83

    افتراضي وطأة السم

    هُناكَ، حيثُ تَتَسَلَّلُ الكَلِمَاتُ كَسِهَامٍ مُسْمُومَةٍ، وتَنْسَلُّ الهَمَسَاتُ كَأَفَاعٍ مُخْفِيَّةٍ، تَكْبِلُ القَلْبَ بِسَلَاسِلَ مِن أَلَمٍ خَفِيٍّ، وتَخْنُقُ الرُّوحَ بصمتٍ قاتل.
    ابْتَدَأَتْ بِعُذُوبَةٍ زَائِفَةٍ، عبقٌ يَغْشِي البِدَايَةَ، ثُمَّ امتَدَّ الظَّلَامُ لِيَبْتَلِعَ الثِّقَةَ وَيُذِيبَ الطُّمَأْنِينَةَ كَمَا يَذُوبُ الشَّمْعُ عَلَى نارٍ خَفِيَّةٍ. كلُّ ابتسامةٍ فَخّ، كلُّ لمسةٍ اخْتِبَار، وكلُّ وعدٍ شالٍ ثَقِيلٌ يُثَقِّلُ النَّفْسَ ويُقَيِّدُ الرُّوحَ كَمَا تُقَيَّدُ الرِّيحُ الأَشْجَارَ فِي لَيْلَةٍ عَاصِفَةٍ.
    تآكَلَتِ الرُّوحُ تحت وطأةِ السمِّ، وغدا القَلْبُ خاوِيًا، يَتَهَالَكُ بَيْنَ شُكُوكٍ مُتَرَاكِمَةٍ وأَحْلَامٍ ذَائِبَةٍ، والخَوْفُ أَصْبَحَ رَفِيقًا دَائِمًا، والصَّمْتُ صَدًى لا يَنْقَطِعُ فِي أَرُوقَةِ النَّفْسِ. اللَّحَظَاتُ سُرِقَتْ كَسَرَابٍ فِي الصَّحْرَاءَ، وصُنِعَتْ مِنَ المَرْءِ ظِلًّا لِنَفْسِهِ، يَبْتَعِدُ عَن دَفْءِ العَالَمِ، وَيَرْتَجِفُ مِنْ أَيِّ لَمْسَةِ حُبٍّ.
    وَحَتَّى بَعْدَ ابْتِعَادِ السُّمُومِ، بَقِيَ أَثَرُهَا الخَفِيُّ عَلَى النَّفْسِ.. نُدُوبٌ خَفِيَّةٌ، صَمْتٌ يَصْرُخُ فِي الصَّدْرِ، قُوَّةٌ خَافِتَةٌ تَبْحَثُ عَن مَسْلَكِهَا نَحْوَ الشِّفَاءِ. مَن نَجَا، أَدْرَكَ أَنَّ الحُرِّيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَكْمُنُ فِي الهُرُوبِ مِنَ الآخَرِينَ، بَلْ فِي اسْتِعَادَةِ الذَّاتِ مِن بَيْنِ الأَنْقَاضِ، وَمَحْوِ أَثَرِ الأَيَادِي السَّامَّةِ عَنِ القَلْبِ وَالرُّوحِ، كَأَنَّ تَطْهِيرَ المَطَرِ لِلأَرْضِ بَعْدَ حَرٍّ طَوِيلٍ.
    وَعِندَ عَوْدَةِ الرُّوحِ لِلتَّنَفُّسِ، اكْتُشِفَتِ الحَقِيقَةُ: أَنَّ الأَلَمَ، كُلَّ الأَلَمِ، قَدْ صُنِعَ خُيُوطًا تُنْسَجُ مِنْهَا أَجْنِحَةٌ… أَجْنِحَةٌ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ كُلِّ ظَلاَمٍ، حَمَلَتْهَا فَوْقَ السُّحُبِ، وَابْتَسَمَتِ الرُّوحُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
    كُلُّ جُرْحٍ تَرَكَ أَثَرَهُ، لَكِنَّهُ مَنَحَ القُوَّةَ لِتَكُونَ أَكْثَرَ نُورًا، أَكْثَرَ حُبًّا، أَكْثَرَ سَلَامًا.. الأَلَمُ صَارَ مُعَلِّمًا، وَالنُّدُوبُ صَارَتْ عَلاَمَاتِ فَخْرٍ، وَالظَّلاَمُ تَحَوَّلَ جِسْرًا نَحْوَ الذَّاتِ الَّتِي لَم تُولَدْ إِلَّا مِن رَحِمِ الصِّرَاعِ.
    وَفِي حَضْرَةِ الحُرِّيَّةِ المُطْلَقَةِ، تَتَجَلَّى الرُّوحُ، وَتَهْمِسُ لِنَفْسِهَا، كَمَا يَهْمِسُ البَحْرُ لِلشَّاطِئِ:
    لَقَد وُلِدْتُ مِنَ الرُّمَادِ، وَطِرْتُ فَوْقَ الأَلَمِ، وَحَمَلْتُ قَلْبِي بَيْنَ أَجْنِحَتِي، فَأَصْبَحْتُ أَنَا النُّورَ الَّذِي لا يَخْبُو.

  2. #2
    مشرفة عامة
    أديبة

    تاريخ التسجيل : Aug 2012
    المشاركات : 22,736
    المواضيع : 383
    الردود : 22736
    المعدل اليومي : 4.77

    افتراضي

    قرأت نصك فوجدته رحلة تسللت فيها الكلمات كسهام مسمومة ،
    كأفاع تكبل القلب بسلاسل من ألم، تغيب الثقة وتذيب الطمأنينة
    إلى ولادة جديدة للروح حين تنسج من الألم خيوطا تغزل بها أجنحة
    ترفعها فوق الظلام فتبتسم من جديد
    ما أجمل أن ينقلب الظلام إلى جسر والجراح إلى أجنحةترفع الروح حيث
    لا تصل لها يد الأذى.
    هذا النص يبرهن أن الألم ليس نهاية، بل أن النور يولد من رحم الظلمات
    كلماتك لبست مجرد سرد عن وجع مر، بل شهادة انتصار لروح ترفض أن تكبل
    وتصر أن تولد من الرماد أكثر أشراقا فتصبح النور الذي لا يخبو.
    تتقافز الصور في ركب بديع من كنوز اللغة لتنسجم جميعها في عزف فريد.
    دام إبداعك.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    الصورة الرمزية عبدالله عويد محمد
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Jun 2012
    الدولة : العراق
    المشاركات : 36
    المواضيع : 7
    الردود : 36
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    حروفك أيقظت شيئا عميقا في الروح
    كأنها مرآة تعكس رحلة الألم بكل تفاصيلها
    ثم تهمس لنا أن الخلاص ممكن وأن النهوض حتمي

    سردك انسياب بليغ بين العتمة والنور
    بين الانكسار والانبعاث
    حتى بدا النص لوحة مكتملة الألوان
    يقرأها القلب قبل العين

    دام هذا الإبداع الذي يحاكي الأرواح التائهة
    ويمنحها أملا بأن الرماد قد يكون بداية ميلاد جديد.
    أبدعتِ سيدتي.