هُناكَ، حيثُ تَتَسَلَّلُ الكَلِمَاتُ كَسِهَامٍ مُسْمُومَةٍ، وتَنْسَلُّ الهَمَسَاتُ كَأَفَاعٍ مُخْفِيَّةٍ، تَكْبِلُ القَلْبَ بِسَلَاسِلَ مِن أَلَمٍ خَفِيٍّ، وتَخْنُقُ الرُّوحَ بصمتٍ قاتل.
ابْتَدَأَتْ بِعُذُوبَةٍ زَائِفَةٍ، عبقٌ يَغْشِي البِدَايَةَ، ثُمَّ امتَدَّ الظَّلَامُ لِيَبْتَلِعَ الثِّقَةَ وَيُذِيبَ الطُّمَأْنِينَةَ كَمَا يَذُوبُ الشَّمْعُ عَلَى نارٍ خَفِيَّةٍ. كلُّ ابتسامةٍ فَخّ، كلُّ لمسةٍ اخْتِبَار، وكلُّ وعدٍ شالٍ ثَقِيلٌ يُثَقِّلُ النَّفْسَ ويُقَيِّدُ الرُّوحَ كَمَا تُقَيَّدُ الرِّيحُ الأَشْجَارَ فِي لَيْلَةٍ عَاصِفَةٍ.
تآكَلَتِ الرُّوحُ تحت وطأةِ السمِّ، وغدا القَلْبُ خاوِيًا، يَتَهَالَكُ بَيْنَ شُكُوكٍ مُتَرَاكِمَةٍ وأَحْلَامٍ ذَائِبَةٍ، والخَوْفُ أَصْبَحَ رَفِيقًا دَائِمًا، والصَّمْتُ صَدًى لا يَنْقَطِعُ فِي أَرُوقَةِ النَّفْسِ. اللَّحَظَاتُ سُرِقَتْ كَسَرَابٍ فِي الصَّحْرَاءَ، وصُنِعَتْ مِنَ المَرْءِ ظِلًّا لِنَفْسِهِ، يَبْتَعِدُ عَن دَفْءِ العَالَمِ، وَيَرْتَجِفُ مِنْ أَيِّ لَمْسَةِ حُبٍّ.
وَحَتَّى بَعْدَ ابْتِعَادِ السُّمُومِ، بَقِيَ أَثَرُهَا الخَفِيُّ عَلَى النَّفْسِ.. نُدُوبٌ خَفِيَّةٌ، صَمْتٌ يَصْرُخُ فِي الصَّدْرِ، قُوَّةٌ خَافِتَةٌ تَبْحَثُ عَن مَسْلَكِهَا نَحْوَ الشِّفَاءِ. مَن نَجَا، أَدْرَكَ أَنَّ الحُرِّيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَكْمُنُ فِي الهُرُوبِ مِنَ الآخَرِينَ، بَلْ فِي اسْتِعَادَةِ الذَّاتِ مِن بَيْنِ الأَنْقَاضِ، وَمَحْوِ أَثَرِ الأَيَادِي السَّامَّةِ عَنِ القَلْبِ وَالرُّوحِ، كَأَنَّ تَطْهِيرَ المَطَرِ لِلأَرْضِ بَعْدَ حَرٍّ طَوِيلٍ.
وَعِندَ عَوْدَةِ الرُّوحِ لِلتَّنَفُّسِ، اكْتُشِفَتِ الحَقِيقَةُ: أَنَّ الأَلَمَ، كُلَّ الأَلَمِ، قَدْ صُنِعَ خُيُوطًا تُنْسَجُ مِنْهَا أَجْنِحَةٌ… أَجْنِحَةٌ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ كُلِّ ظَلاَمٍ، حَمَلَتْهَا فَوْقَ السُّحُبِ، وَابْتَسَمَتِ الرُّوحُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
كُلُّ جُرْحٍ تَرَكَ أَثَرَهُ، لَكِنَّهُ مَنَحَ القُوَّةَ لِتَكُونَ أَكْثَرَ نُورًا، أَكْثَرَ حُبًّا، أَكْثَرَ سَلَامًا.. الأَلَمُ صَارَ مُعَلِّمًا، وَالنُّدُوبُ صَارَتْ عَلاَمَاتِ فَخْرٍ، وَالظَّلاَمُ تَحَوَّلَ جِسْرًا نَحْوَ الذَّاتِ الَّتِي لَم تُولَدْ إِلَّا مِن رَحِمِ الصِّرَاعِ.
وَفِي حَضْرَةِ الحُرِّيَّةِ المُطْلَقَةِ، تَتَجَلَّى الرُّوحُ، وَتَهْمِسُ لِنَفْسِهَا، كَمَا يَهْمِسُ البَحْرُ لِلشَّاطِئِ:
لَقَد وُلِدْتُ مِنَ الرُّمَادِ، وَطِرْتُ فَوْقَ الأَلَمِ، وَحَمَلْتُ قَلْبِي بَيْنَ أَجْنِحَتِي، فَأَصْبَحْتُ أَنَا النُّورَ الَّذِي لا يَخْبُو.