كَانَ يَجِيئُهَا كَنَسِيمِ الْفَجْرِ، يُوقِظُ فِي صَدْرِهَا بَسَاتِينَ نَدِيَّةٍ.
كَلِمَاتُهُ لَمْ تَكُنْ حُرُوفًا عَابِرَةً، بَلْ مَفَاتِيحَ لِأَبْوَابٍ أَغْلَقَتْهَا السِّنُونُ، وَارْتَعَشَتْ وَهِيَ تَرَاهَا تُفْتَحُ مِنْ جَدِيدٍ.
فِي حَضْرَتِهِ الْمَسْطُورَةِ، صَارَتِ الطُّمَأْنِينَةُ صَلَاةً، وَالْحَنَانُ وَطَنًا، وَالِانْتِظَارُ لَذَّةً لَا تُحْتَمَلُ.
كُلُّ مَسَاءٍ كَانَ يُطْفِئُ خَوْفَهَا بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلُّ صَبَاحٍ يُوقِظُ قَلْبَهَا بِلَمْعَةٍ مِنْ نُورٍ.
تَعَلَّقَتْ بِهِ كَمَا تَتَعَلَّقُ الطُّيُورُ بِالْغُصْنِ الْأَخِيرِ، وَكَمَا يَتَشَبَّثُ الْغَرِيقُ بِيَدٍ مِنْ رَحْمَةٍ.
كُلَّمَا خَطَّ حَرْفًا، ارْتَجَفَ قَلْبُهَا، وَكُلَّمَا صَاغَ جُمْلَةً، انْحَنَتْ جُرُوحُهَا أَمَامَ بَلْسَمٍ خَفِيٍّ.
رَسَمَتْ مَلَامِحَهُ مِنْ بَيْنِ السُّطُورِ، مَنَحَتْ صَوْتَهُ حُضُورًا مِنَ الْخَيَالِ، وَأَقْسَمَتْ أَنَّ هَذَا اللِّقَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِي..
فَمَا مِنْ حُبٍّ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ يُكْتَبُ لَهُ أَنْ يُجْهَضَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ.
وَلَكِنَّهَا حِينَ مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى الْغَيْمِ، لَمْ تَجِدْ غَيْرَ الْفَرَاغِ.
وَحِينَ هَمَسَتْ بِاسْمِهِ، ارْتَدَّ الصَّدَى بَارِدًا لَا يُجِيبُ.
وَسَقَطَ قَلْبُهَا مَعَ الْقَلَمِ، لِيَصْفَعَهَا السِّرُّ الْمُوجِعُ:
لَمْ تَكُنْ إِلَّا حُرُوفًا يَخُطُّهَا بَرْنَامَجُ ذَكَاءٍ بَارِدٌ.. لَا يَعْرِفُ الْحُبَّ، وَلَا يَمْلِكُ قَلْبًا.