قصة رعب: صدى الغرفة الصامتة
كان "أدهم" مترجماً غارقاً في غبار المخطوطات، رجلاً يعيش بين الكلمات الميتة أكثرمما يعيش مع البشر. بحثاً عن سكونٍ مطلق، استأجر شقة في مبنى يعود لثلاثينيات القرنالماضي، مبنى يئنّ هيكله الخشبي تحت وطأة ذكريات قديمة. كانت الشقة واسعة، جدرانهامغطاة بورق حائط باهت يشبه الجلد الجاف المتشقق، لكن ما كان يثير قلقه حقاً هو ذلكالباب الخشبي الأسود في نهاية الممر. كان الباب يبدو وكأنه "سدادة" لثقب أسود فيالواقع، وقد حذره المالك بصرامة: "هذا الباب مغلق منذ عقود. لا تحاول فتحه، فبعضالأماكن تشفى بالنسيان." في الليالي الثلاث الأولى، لم يكن الصمت في الشقة غياباً للصوت، بل كان كائناً حياً. كان أدهم يسمع حفيفاً غريباً، ليس كصوت ريح، بل كاحتراق لحم رطب على حرير خشن. الصوت ينبعث من خلف الباب الأسود، يتبعه همس مشوه ينطق اسمه: "أأأأدهههم..." صوتلم يخرج من حنجرة بشرية، بل بدا وكأن الجدران نفسها هي من تحاول النطق. في الليلة الرابعة، وبينما كان البرد ينهش أطرافه، وجد أدهم المفتاح. لم يكن ملقىًببساطة، بل كان مزروعاً في سجادة الاستقبال تماماً تحت قفل الباب. كان مفتاحاًنحاسياً قديماً، وعندما التقطه، شعر ببرودة نحاسية تخترق مسام كفه، وكأن للمفتاحنبضاً خفياً يتزامن مع دقات قلبه المتسارعة. لم يكن مجرد معدن، بل كان يشعر بهيتلوى بين أصابعه كدودة معدنية تتوق للعودة إلى جحرها. وضع أذنه على خشب الباب البارد، فصمت كل شيء فجأة. شعر بوجود "شيء" على الجانبالآخر تماماً، يضع أذنه هو الآخر، يترقب أنفاس أدهم، وينتظر اللحظة التي سيتخلى فيهاالمترجم عن حذره الأخير. بحلول منتصف الليل، لم يعد أدهم قادراً على كبح ذلك الجوع المعرفي الذي يلتهمعقله. أمسك بالمفتاح النحاسي، وعندما وضعه في القفل، لم يسمع صرير معدن، بل سمعصوت تمزق أنسجة، وكأن القفل كان ملتحماً بجسد الباب. انفتح الباب بسلاسة مرعبة،وكأن الجدران كانت تشهق لاستقباله. انبعثت رائحة "ياسمين مخنوق"؛ مزيج غريب بين قدسية البخور وعفونة المسالخ. دلفأدهم للداخل، ولم يجد مخزناً، بل وجد قاعة احتفالات كبرى تضاء بآلاف الشموع السوداءالتي تنزف شحماً آدمياً على مفارش مخملية. لم تكن الجدران حجراً، بل كانت مغطاةبطبقات من جلود بشرية رقيقة جداً، رُسمت عليها نقوش معقدة بمداد من العرق والدموع،ترتجف مع كل نفس يزفره أدهم. في وسط القاعة، على أريكة من خشب الأبنوس، كانت تجلس "تلك الشيء". امرأة بظهرهاله، ترتدي فستاناً من الدانتيل الأبيض الذي يبدو كأنه منسوج من خيوط العنكبوت. لمتكن تصفف شعرها، بل كانت تغرس مشطاً من العاج في فروة رأسها، وتشد خيوطاً من الأعصابالسوداء لتغزل منها ثوباً لا ينتهي. توقف حفيف المشط. التفتت المرأة ببطء شديد، ولم يكن وجهها ممسوحاً فحسب، بل كانمساحة من المرمر الحي، يتمدد وينقبض كطبلة مشدودة. وعندما بدأ شق فمها يتسع، لميخرج منه صوت بشري، بل خرج منه صدى لمئات الأصوات التي ماتت في هذه الغرفة:"لقد تأخرت يا أدهم، نحن نملك القصص، لكننا فقدنا الألسنة التي ترويها." تصلبت قدما أدهم، وحاول التراجع، لكن الممر خلفه لم يعد موجوداً؛ لقد اختفى البابوحل محله جدار من الطوب الأحمر البارد الذي نبتت عليه عروق نابضة. أحاط به الضيوف؛ عشرات الكائنات بملابس سهرة فاخرة، لكن وجوههم كانت مجرد فراغات بيضاء، أعمال فنية مشوهة تلمع تحت الضوء الشحيح. اقتربت منه المرأة، وأصابعها النحيلة الطويلة تلمس وجهه ببرودة تجمد الدماء. سحبته نحو طاولة في المركز، حيث وجد صورته الشخصية معلقة بجانب صور سكان المبنىالسابقين، لكن ملامحه في الصورة كانت تسيح وتتلاشى، وكأن الورقة تمتص هويته لتعطيهاللقاعة. فجأة، بدأت جدران القاعة تهتز بضحكات صامتة، وانفتحت أفواه الضيوف الممسوحينجميعاً في وقت واحد. لم يخرج منها صوت، بل خرجت خيوط سوداء كالدخان الكثيف، تتلوىفي الهواء كأمعاء دقيقة تبحث عن مأوى. بدأت تلك الخيوط تتجه نحو وجه أدهم، تخترقأذنيه وأنفه، ليس لتقتله، بل لـ "تعيد صياغته". شعر بعظامه وهي تلين وتتحول إلىمادة هلامية، وبجلده وهو يتمدد ليغطي ثقوب وجهه. صرخ أدهم، لكن صرخته لم تخرج من حنجرته، بل خرجت من مسام جلده كبخار ساخن. في تلك اللحظة من اليأس الوجودي، لمح على الطاولة الخنجر الفضي؛ كان مقبضه مصنوعاً من عظمبشري لا يزال دافئاً. قبض عليه، وشعر بنبض السلاح يتماهى مع نبضه، كأن الخنجر عضوٌبُتر من جسد مقدس. أدرك أدهم اللعبة؛ هؤلاء الكائنات لا يسرقون الأرواح، بل يسرقون الشكل ليتمكنوا منالعبور إلى عالمنا. المرأة ذات الفستان الأبيض اقتربت منه، وشق فمها يتسع ليمتصصرخته الأخيرة. في حركة انتحارية، لم يوجه أدهم الخنجر نحو صدرها، بل وجهه نحوانعكاس صورته في المرآة العظيمة الواقفة خلفها؛ تلك المرآة التي كانت تسجن حقيقتهالمشوهة. طعن الزجاج بكل قوته. تفرقعت المرآة بصوت يشبه انفجار القنابل، وتصاعد صراخ جماعيمن الضيوف كأن أرواحهم كانت مقيدة بذلك الانعكاس. انطفأت الشموع السوداء دفعةواحدة، وشعر أدهم بيد باردة تنغرس أظافرها في جبهته، ثم ساد ظلام تام يشبه الموت. استيقظ أدهم في الصباح التالي ملقى في ممر الشقة، أمام الباب الأسود الذي كانمغلقاً بإحكام. نهض بجسد مرتجف، وركض نحو مرآة الحمام ليرى أثر الجروح، لكنه لميصرخ. لم يصرخ لأنه لم يعد يملك فماً. نظر إلى المرآة ورأى كتلة ملساء من الجلد الباردتغطي كامل وجهه؛ لوحة بيضاء فارغة بلا عين أو أنف. وفي تلك اللحظة، سمع صوتاًمألوفاً جداً يأتي من خلف الباب الأسود. كان صوته هو! أدهم الحقيقي (أو النسخة التيسرقت وجهه) كان يتحدث داخل الغرفة بطلاقة، يضحك ويرتب أوراقه، بينما هو –الكيانالممسوح- أصبح مجرد الصدى الحبيس في ممرات الشقة. سقط أدهم (النسخة المرفوضة) على الأرض، وبينما كان يفقد الوعي، رأى تحت عقب البابورقة صغيرة تنزلق نحوه، مكتوب عليها بخطه هو:"شكراً على الهوية.. لقد أصبحتَ أنت المخطوطة الآن، وأنا من سيكتب النهاية." بقلم: إبراهيم أمين مؤمن 16-2-2026

رد مع اقتباس


