الغريب
وتبسمتْ حين التقيتُ عيونَها
عينان تستبقان صوب فؤادي
قالتْ وفي العينين سحرٌ واثقٌ
مَنْ أنتَ ؟ كيف أتيتَ قلبَ بلادي؟
وكأنّ هذا الوجهَ أعرفُ أصلَه
من نبض ماء النيل جاء ينادي
وكأن أنْدَلُسَا رأتك فكبرت
هذا لعمري " طارق بن زياد"
فأجبتها والخزيُّ يثقل كاهلي
أنا مَنْ يحطم ما بنى أجدادي
أنا مَنْ أضاع القدس حين تركتها
تتقاسم الأتراح في الاعياد
وأضعتُ دِجلةَ والفراتَ ونيلَنا
أطفأت في السودان سحر الوادي
وأقمت في اليمن السعيد مآتماً
فجَّرتُ أطناناً من الأكباد
حاربت في " الجولان " كل عشائري
متلوناً في صِبغةٍ وسواد
وبنيت للأحباش سدّاً شاهقاً
لتموت أرض النيل تحت مرادي
وقتلتُ ليبياً لأن عروقه
عربيةً تعلو على الأسياد
أحرقتُ كل مباهجٍ سوريةٍ
فتوحشت في جيدها أصفادي
ومَرَحتُ في بغداد ثم رجمتها
وسكرت من دمها فكان رقادي
آهٍ على بغداد ، ما أحلى اللقى
من غير بادئةٍ ولا ميعاد
حولتُ تاريخ العروبة كله
يوماً إلى نارٍ وكومِ رماد
صافحتُ " هولاكو" ورحتُ مؤيداً
جيش التتار وبعتُ كل جيادي
وأقمتُ معتقلاً لكل مناضلٍ
ونظمت كل الشعر في إلحادي
أنا مَنْ يبيع دم العروبة مؤمناً
أن الصديق إذا استفاق يعادي
قاتلت أطفالاً ، شيوخاً، رُضّعاً
وتركت " للحجاج " جيد سعاد
أنا مَنْ يطأطأ رأسه بمهانةٍ
ويقول للسيَّاف خذ أولادي
أنا كل خائنةٍ وكل عشيقها
ومواطن الإسفاف والإفساد
أنا لستُ مَنْ ترجون . لستُ بطارقٍ
عربيتي عبرية الإسناد
لملم جراحك مثلما آنستها
وامشي الطريق الوعر دون عتاد
فلأنتَ وحدكَ لن تحارب مُنهَكاً
صدأتْ سيوفُ العُرْبِ في الأغماد
أنا لستُ يا ذات الجمال المنتشي
إلا سراباً لاح للأحشاد
لا أرضَ تعرفني ولا بيتاً ولا
شيئاً بغير رصاصةٍ وزناد
الكل في بيت العروبة خائنٌ
باع الدمَ العربيَّ للأوغاد
قد باع " غزةَ" و" العراق " لخائنٍ
ومحا " دمشقَ" وظلَّ في إبعادي
أنا لستُ أعرفُ مَنْ أكون لأنني
سلّمتُ أولادي إلى قوَّاد
لا يخدعنَّكِ يا حبيبةُ مظهري
فأنا كشرع الله والإلحاد
أنهيت أدوار البطولة كلِّها
وتقهقرت عند المدى أمجادي
ما بين ماضٍ أبيضٍ متلألأٍ
حتى اكتسى عمداً بكل سواد
أنا لستُ - يا ذات الجمال - بآسفٍ
فانا بفكر لاح كالقوَاد
والكل أقنعني بأن عروبتي
وهمٌ تساقط من هوى " بغداد"
والكل باع من العروبة ما يشا
حتى بدت سوآتها للغادي
والكل قد باع التراب لحفنةٍ
من شرذمات القوم والاوغاد
والكل قد رضى المهانة قاصداً
ومحارباً في فَجْرِه الوقَّاد
والكل يحتضن المهانة راضياً
ومحصِّناً في فُجْرِه المعتاد
عذراً بلاد العُرب ، إن خنوعنا
قد هام فيه الصيدُ بالصيّاد
والكل مشغولٌ بلقمة عيشه
وبعالمٍ يهذي من الأضداد
نزفت دموع العين حتى أرهقت
كل العيون وآثرت إبعادي
وتبرأت مني ومن عربيتي
ورمت على جسر الحقيقة زادي
وأتت تعانق في الظلام مفاخراً
وبكت دماً حين استفاق جوادي
قالت وفي العينين حزنٌ هائلٌ
يا ليتني ما همتُ في الإنشاد
يا ليت ما بيني وبينك لم يكن
يا ليت ما علق الهوى بفؤادي
يا ليت صوتك لم يكن إلا الذي
قد كان يملأ ساحة العُبَّاد
سكتت ، أطلَّ الصمتُ منها مغلقاً
باب الرجا فتلحَّفت بسواد
وتنهدت والصمتُ يعزفُ لحنَه
والمعجزاتُ الحائراتُ تنادي
وتوجهت نحو الاله وأنشدت
تدعو بذاتِ دعائِها المُعْتاد
أنْ يمحق المارِّين فوق صدورِنا
الخائنينَ السارقينَ بلادي
أن يجعل الإيمان ملأ قلوبنا
أنَّا سنرجعُ أمةَ الروَّاد
وتَطُلُّ من ذاتِ السراج شموسنا
تمحو سنيناً أرهقت أولادي

رد مع اقتباس



