أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: مَا يَتْرُكُهُ العَابِرُونَ

  1. #1

    افتراضي مَا يَتْرُكُهُ العَابِرُونَ


    يَمُدُّ اللَّيْلُ رِدَاءَهُ الثَّقِيلَ عَلَى صَدْرِ الدُّنْيَا، كَرَاهِبٍ عَتِيقٍ يَجُرُّ سُبَحَاتِ الصَّمْتِ فَوْقَ طُرُقَاتٍ أَنْهَكَهَا النَّهَارُ.

    تَتَدَلَّى مِن نَافِذَاتِ البُيُوتِ أَنْفَاسُ العَابِرِينَ؛ كُلُّ نَفَسٍ قَصِيدَةٌ نَاقِصَةٌ تَبْحَثُ عَنْ شَاعِرِهَا، وَكُلُّ قَلْبٍ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى هَاوِيَةٍ أَوْ نَجْمَةٍ.

    تَغْفُو المَدِينَةُ كَمَنْ فَقَدَ ذَاكِرَتَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ تَظَلُّ عُيُونُهُ مُفْتُوحَةً، تَتَرَقَّبُ خُطَى العَابِرِينَ الَّذِينَ يَجُرُّونَ ظِلَالَهُمْ الطَّوِيلَةَ كَمَا تُجَرُّ سَلَاسِلُ الأَسْرَى.

    هُنَاكَ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ الأَزِقَّةُ الضَّيِّقَةُ، يُولَدُ الحَنِينُ فِي صُورَةِ رِيحٍ عَابِثَةٍ، تَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهَا رَوَائِحَ الخُبْزِ الطَّازَجِ، وَصَوْتَ بَائِعٍ يُسَاوِمُ الزَّمَنَ عَلَى بَضَاعَتِهِ.

    وَحِينَ يَجِيءُ الغَرِيبُ، يَظُنُّ أَنَّ المَدِينَةَ تَبْتَسِمُ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ أَرْهَفَ السَّمْعَ، سَيَسْمَعُ أَنِينَ الحِجَارَةِ، وَارْتِعَاشَ المَصَابِيحِ، وَنَشِيجَ الأَرْصِفَةِ الَّتِي تَعِبَتْ مِنْ حَمْلِ خُطُوَاتٍ لَا تَحْفَظُ وَعْدًا.

    أَنْتَ، أَيُّهَا السَّائِرُ فِي بُعْدِكَ، هَلْ تُدْرِكُ أَنَّ الكَلِمَاتَ الَّتِي تُلْقِيهَا كَالْحَصَى فِي البِئْرِ تَتَحَوَّلُ فِي الأَعْمَاقِ إِلَى نُجُومٍ سِرِّيَّةٍ؟

    هَلْ تَعْرِفُ أَنَّ قَلْبَكَ، وَإِنْ تَظَاهَرَ بِالبُرُودِ، لَيْسَ سِوَى قَنْدِيلٍ مَكْسُورٍ يُحَاوِلُ إِشْعَالَ فَتِيلٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ؟

    اِمْضِ إِذَنْ، فَاللَّيْلُ لَا يَتَّسِعُ إِلَّا لِمَنْ يَجْرُؤُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى جُدْرَانِهِ وصِيتَهُ: أَنَّ الحَيَاةَ، رَغْمَ خِيَانَاتِهَا، تَظَلُّ قَصِيدَةً بِلَا خَاتِمَةٍ، تُقْرَأُ مَرَّةً، ثُمَّ تُتْرَكُ مَفْتُوحَةً إِلَى الأَبَدِ.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2

    افتراضي

    نثرية جميلة بشاعريتها ولغتها وصياغتها
    لا تحكي حكاية أحداث بل ترسم أثر العابرين في المدينة والزمن
    ما أجمل هذا التعبير (يَمُدُّ اللَّيْلُ رِدَاءَهُ الثَّقِيلَ عَلَى صَدْرِ الدُّنْيَا،
    كَرَاهِبٍ عَتِيقٍ يَجُرُّ سُبَحَاتِ الصَّمْتِ فَوْقَ طُرُقَاتٍ أَنْهَكَهَا النَّهَارُ.)
    فالمدينة هنا كائن حي أنهكه النهار يبدو نائما ولكنه واع يراقب بصمت

    ومن نوافذ البيوت نرى أنفاس العابرين في حياة الآخرين
    دون التزام أو وفاء فتترك قصائد ناقصة وقلوبا مفتوحة على هاويةأ و أمل
    وتغفو المدينة ولكنها تظل مترقبة خطوات العابرين على ظهرها
    وفي الأزقة الضيقة يولد الحنين من تفاصيل صغيرة مثل رائحة الخبز أو صوت
    بائع ينادي على بضاعته.
    فإذا جاء الغريب يظن من هذه الظواهر إن المدينة جميلة وسعيدة،
    ولكن لا يسمع صوت الأنين والألم من كثرة الراحلين الذبن لا يحفظون الوعود.
    ثم تتحول النثرية غلى مخاطبة المتلقي
    فتقول: هل تدرك ان كلماتك ليست عابرة بل تترك أثر دائم
    وقلبك مهما تظاهر بالبرود يحمل ذاكرة تحاول أن تضئ.
    إن الحياة ليست قصة مغلقة بل قصيدة بلا نهاية نمر بها مرة واحدة ـ
    ونتركها مفتوحة بما خلفناه فيها.
    النَّص يسألنا: هل نمر في الحياة بلا مسئوولية أم نعي أن كل خطوة وكل كلمة
    تكتب حزء من مصير لا يمحى؟
    فلسفة عميقة أرهقني جدا فهمها ـ فهل وصلت للمعنى أم لم أصل؟؟
    النص يبقى جميلا جدا لأنه استعصى
    فبعض الكتابة لا تفهم .. ولكنها تسكن.
    تحياتي وودي.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناديه محمد الجابي مشاهدة المشاركة
    نثرية جميلة بشاعريتها ولغتها وصياغتها
    لا تحكي حكاية أحداث بل ترسم أثر العابرين في المدينة والزمن
    ما أجمل هذا التعبير (يَمُدُّ اللَّيْلُ رِدَاءَهُ الثَّقِيلَ عَلَى صَدْرِ الدُّنْيَا،
    كَرَاهِبٍ عَتِيقٍ يَجُرُّ سُبَحَاتِ الصَّمْتِ فَوْقَ طُرُقَاتٍ أَنْهَكَهَا النَّهَارُ.)
    فالمدينة هنا كائن حي أنهكه النهار يبدو نائما ولكنه واع يراقب بصمت
    ومن نوافذ البيوت نرى أنفاس العابرين في حياة الآخرين
    دون التزام أو وفاء فتترك قصائد ناقصة وقلوبا مفتوحة على هاويةأ و أمل
    وتغفو المدينة ولكنها تظل مترقبة خطوات العابرين على ظهرها
    وفي الأزقة الضيقة يولد الحنين من تفاصيل صغيرة مثل رائحة الخبز أو صوت
    بائع ينادي على بضاعته.
    فإذا جاء الغريب يظن من هذه الظواهر إن المدينة جميلة وسعيدة،
    ولكن لا يسمع صوت الأنين والألم من كثرة الراحلين الذبن لا يحفظون الوعود.
    ثم تتحول النثرية غلى مخاطبة المتلقي
    فتقول: هل تدرك ان كلماتك ليست عابرة بل تترك أثر دائم
    وقلبك مهما تظاهر بالبرود يحمل ذاكرة تحاول أن تضئ.
    إن الحياة ليست قصة مغلقة بل قصيدة بلا نهاية نمر بها مرة واحدة ـ
    ونتركها مفتوحة بما خلفناه فيها.
    النَّص يسألنا: هل نمر في الحياة بلا مسئوولية أم نعي أن كل خطوة وكل كلمة
    تكتب حزء من مصير لا يمحى؟
    فلسفة عميقة أرهقني جدا فهمها ـ فهل وصلت للمعنى أم لم أصل؟؟
    النص يبقى جميلا جدا لأنه استعصى
    فبعض الكتابة لا تفهم .. ولكنها تسكن.
    تحياتي وودي.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    قراءتكِ لم تكن شرحًا للنص بقدر ما كانت مشيًا داخله؛ التقطتِ أنفاسه الخفية، وأصغيتِ لما يقوله بين السطور لا لما يصرّح به فقط. أسعدني هذا الوعي الذي لم يتعامل مع النثرية بوصفها حكاية تُفكّ، بل أثرًا يُلامَس .. وهذا بالضبط ما كُتبت لأجله.
    قولكِ إن النص "لا يُفهم بل يَسكن" هو أجمل ما يمكن أن يُقال عنه؛ لأن بعض الكتابة لا تطلب الوصول، بل القبول بالمرافقة. وأطمئنكِ .. لقد وصلتِ، وربما أكثر مما تظنين، لأنكِ أمسكتِ بجوهر السؤال لا بسطحه؛ سؤال العبور والمسؤولية، وما نخلّفه ونحن نظن أننا نمضي خفافًا.
    شكرًا لهذه القراءة التي أعادت النص إليّ أعمق وأكثر صفاء، وشكرًا لحسٍّ نقديٍّ يعرف أن المعنى أحيانًا يُحَسّ قبل أن يُفهم.
    ودّي وتقديري

  4. #4

    افتراضي

    نص جميل بمحموله .. متدرج بخطواته يحمل معه من حاول الدخول الى اعماقه
    ولم يتركه وحيدا بل جعله يتوقف هنيهة ثم يكمل مشوار النص الى ما يمكن القارئ ان يصل اليه
    وبه ما يحقق الوقوف على درجات سلمه الصاعد وينظر ما وصلت اليه اقدامه ويفكر ماذا بعد خطواته
    ويستمر التساؤل
    شكرا لك

  5. #5

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد ذيب سليمان مشاهدة المشاركة
    نص جميل بمحموله .. متدرج بخطواته يحمل معه من حاول الدخول الى اعماقه
    ولم يتركه وحيدا بل جعله يتوقف هنيهة ثم يكمل مشوار النص الى ما يمكن القارئ ان يصل اليه
    وبه ما يحقق الوقوف على درجات سلمه الصاعد وينظر ما وصلت اليه اقدامه ويفكر ماذا بعد خطواته
    ويستمر التساؤل
    شكرا لك
    حضورك شاعرنا الفاضل قراءة تُضيف للنص أكثر مما تقول عنه.
    التقاطك لفكرة التدرّج، ولتلك الوقفة الواعية بين خطوةٍ وأخرى، يؤكد أن النص وصل قارئه الحقيقي؛ من يصعد السلم لا ليستعرض الارتفاع، بل ليتأمّل المعنى ويتساءل عمّا بعده.
    شكرًا لعمقك، ولسخاء قراءتك،
    وسعيدة بوجودك على صفحتي.

  6. #6
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل: Jan 2026
    عدد المشاركات: 7
    :عدد المواضيع 1
    :عدد الردود
    المعدل اليومي 0.15
    من مواضيعي

    افتراضي

    بين يدي إشراقة الحرف وغبش الروح
    هذه السبيكة الوجدانية التي صاغتها أنامل الأديبة آمال المصري
    نسجت بأهداب بيانها ملحمة للعبور تتراقص فيها الأطياف
    بين هجير الذاكرة وقر الاغتراب.

    بوحك لم يكن سوادًا على بياض بل هو نضاض من مزن الأسى
    وانقباض في صدر المسا.
    حين جعلت العابرين حزازات في كبد الطريق
    وصيرت أنفاسهم جذاذات من وجد عتيق.

    وحين نحت المدينة في صورة مقلة لا تكتحل بالغمض
    وعلة لا تبرأ من وجع الأرض.
    صورت خطاهم كسلاسل العناة وظلالهم كأثمال الجناة
    فما أبلغ ما نثرت من شجون وما أنضر ما سطرت من فنون!

    ووصفك للحنين بريح عابثة فهي لعمري نفحة حارثة
    تحرث تراب النفس لتزرع فيها الذكريات
    وتوقظ في رمام الروح الحياة.
    ويل لذلك الغريب الذي استسلم لبسمة الثغر العبوس
    ولم يرتقب أنين رمس بين الطروس
    فالحجارة عندك ذات زفير والمصابيح في كفك ذات سعير.

    ثم خاتمتك التي لا تنقضي خاتمتها والوصية التي لا تنطفئ جذوتها
    نفذت ببصيرتك إلى مكمن الداء وكشفت ببيانك عن معدن الشقاء
    فما الحياة إلا منزل انتقال وما النحن فيها إلا فيء زوال.

    أستاذتي
    نثرك باذخ قد جاوز مدى القول إلى بحر الفكر
    واستحال من رق الحروف إلى روح الخبر.
    سلمت أنامل غزلت من الوجع ديباجًا وصاغت من عتمة الليل سراجًا.

  7. #7

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علياء جابر مشاهدة المشاركة
    بين يدي إشراقة الحرف وغبش الروح
    هذه السبيكة الوجدانية التي صاغتها أنامل الأديبة آمال المصري
    نسجت بأهداب بيانها ملحمة للعبور تتراقص فيها الأطياف
    بين هجير الذاكرة وقر الاغتراب.
    بوحك لم يكن سوادًا على بياض بل هو نضاض من مزن الأسى
    وانقباض في صدر المسا.
    حين جعلت العابرين حزازات في كبد الطريق
    وصيرت أنفاسهم جذاذات من وجد عتيق.
    وحين نحت المدينة في صورة مقلة لا تكتحل بالغمض
    وعلة لا تبرأ من وجع الأرض.
    صورت خطاهم كسلاسل العناة وظلالهم كأثمال الجناة
    فما أبلغ ما نثرت من شجون وما أنضر ما سطرت من فنون!
    ووصفك للحنين بريح عابثة فهي لعمري نفحة حارثة
    تحرث تراب النفس لتزرع فيها الذكريات
    وتوقظ في رمام الروح الحياة.
    ويل لذلك الغريب الذي استسلم لبسمة الثغر العبوس
    ولم يرتقب أنين رمس بين الطروس
    فالحجارة عندك ذات زفير والمصابيح في كفك ذات سعير.
    ثم خاتمتك التي لا تنقضي خاتمتها والوصية التي لا تنطفئ جذوتها
    نفذت ببصيرتك إلى مكمن الداء وكشفت ببيانك عن معدن الشقاء
    فما الحياة إلا منزل انتقال وما النحن فيها إلا فيء زوال.
    أستاذتي
    نثرك باذخ قد جاوز مدى القول إلى بحر الفكر
    واستحال من رق الحروف إلى روح الخبر.
    سلمت أنامل غزلت من الوجع ديباجًا وصاغت من عتمة الليل سراجًا.
    بين يديّ حضورك هذا أديبتي، شعرت أن النصّ ارتقى، وأن الكلمات لم تعد مجرد حروف، بل أصواتٌ تتنفس من عمق الوجد.
    قراءة مثل قراءتكِ ليست مجرد مرور على السطور، بل احتفاءٌ بالمعنى وإشراقٌ للروح، فتارةً تكشفين عن زوايا الألم، وتارةً تلمسين نبض الحروف كما لو كانت كائنات حية.
    لقد منحت نصّي حياة ثانية، وفضاءً إضافيًا للتأمل، فوجودك هنا ليس مرورًا عابرًا، بل إضافة مشرقة لكل من يقرأ ويصغي.
    شكراً لأنك تعرفين كيف تجعلين اللغة جسرًا بين الصمت والإحساس، بين التحليل والتقدير، بين الحرف والروح.
    أرحب بكِ بكل تقدير وإشادة، فحضورك نور، ونثرك بريقٌ ازدان به النص،
    وأثبت أن الحرف حين يلتقي بالوعي يصبح فنًا خالدًا.

  8. #8
    الصورة الرمزية رشدي مصطفى الصاري
    أديب
    تاريخ التسجيل: Mar 2009
    الدولة: الرياض المملكة العربية السعودية
    العمر: 59
    عدد المشاركات: 186
    :عدد المواضيع 21
    :عدد الردود
    المعدل اليومي 0.03

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة آمال المصري مشاهدة المشاركة

    يَمُدُّ اللَّيْلُ رِدَاءَهُ الثَّقِيلَ عَلَى صَدْرِ الدُّنْيَا، كَرَاهِبٍ عَتِيقٍ يَجُرُّ سُبَحَاتِ الصَّمْتِ فَوْقَ طُرُقَاتٍ أَنْهَكَهَا النَّهَارُ.
    تَتَدَلَّى مِن نَافِذَاتِ البُيُوتِ أَنْفَاسُ العَابِرِينَ؛ كُلُّ نَفَسٍ قَصِيدَةٌ نَاقِصَةٌ تَبْحَثُ عَنْ شَاعِرِهَا، وَكُلُّ قَلْبٍ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى هَاوِيَةٍ أَوْ نَجْمَةٍ.
    تَغْفُو المَدِينَةُ كَمَنْ فَقَدَ ذَاكِرَتَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ تَظَلُّ عُيُونُهُ مُفْتُوحَةً، تَتَرَقَّبُ خُطَى العَابِرِينَ الَّذِينَ يَجُرُّونَ ظِلَالَهُمْ الطَّوِيلَةَ كَمَا تُجَرُّ سَلَاسِلُ الأَسْرَى.
    هُنَاكَ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ الأَزِقَّةُ الضَّيِّقَةُ، يُولَدُ الحَنِينُ فِي صُورَةِ رِيحٍ عَابِثَةٍ، تَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهَا رَوَائِحَ الخُبْزِ الطَّازَجِ، وَصَوْتَ بَائِعٍ يُسَاوِمُ الزَّمَنَ عَلَى بَضَاعَتِهِ.
    وَحِينَ يَجِيءُ الغَرِيبُ، يَظُنُّ أَنَّ المَدِينَةَ تَبْتَسِمُ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ أَرْهَفَ السَّمْعَ، سَيَسْمَعُ أَنِينَ الحِجَارَةِ، وَارْتِعَاشَ المَصَابِيحِ، وَنَشِيجَ الأَرْصِفَةِ الَّتِي تَعِبَتْ مِنْ حَمْلِ خُطُوَاتٍ لَا تَحْفَظُ وَعْدًا.
    أَنْتَ، أَيُّهَا السَّائِرُ فِي بُعْدِكَ، هَلْ تُدْرِكُ أَنَّ الكَلِمَاتَ الَّتِي تُلْقِيهَا كَالْحَصَى فِي البِئْرِ تَتَحَوَّلُ فِي الأَعْمَاقِ إِلَى نُجُومٍ سِرِّيَّةٍ؟
    هَلْ تَعْرِفُ أَنَّ قَلْبَكَ، وَإِنْ تَظَاهَرَ بِالبُرُودِ، لَيْسَ سِوَى قَنْدِيلٍ مَكْسُورٍ يُحَاوِلُ إِشْعَالَ فَتِيلٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ؟
    اِمْضِ إِذَنْ، فَاللَّيْلُ لَا يَتَّسِعُ إِلَّا لِمَنْ يَجْرُؤُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى جُدْرَانِهِ وصِيتَهُ: أَنَّ الحَيَاةَ، رَغْمَ خِيَانَاتِهَا، تَظَلُّ قَصِيدَةً بِلَا خَاتِمَةٍ، تُقْرَأُ مَرَّةً، ثُمَّ تُتْرَكُ مَفْتُوحَةً إِلَى الأَبَدِ.
    وهل يدرك المرء أحياناً ماذا يخط قلمه
    أجمل العبارات تلك التي تكتب بلا قيود ولاحدود
    بل هي ترجمة لمشاعر عميقة دفينة تحاول أن تخرج إلى النور فتومض بفكرة أو بوح وتترك القارىء يستنهض مايشاء
    هنا قرأت نصاً متخماً بالأدب والمعاني والروعة
    تحياتي
    عيناك شاردتان ماذا تبغيان هل تبحثان عن الأليف
    ياحلم عينيك ورؤياهما ماتا مع الانسان والزمن الشريف

  9. #9

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رشدي مصطفى الصاري مشاهدة المشاركة
    وهل يدرك المرء أحياناً ماذا يخط قلمه
    أجمل العبارات تلك التي تكتب بلا قيود ولاحدود
    بل هي ترجمة لمشاعر عميقة دفينة تحاول أن تخرج إلى النور فتومض بفكرة أو بوح وتترك القارىء يستنهض مايشاء
    هنا قرأت نصاً متخماً بالأدب والمعاني والروعة
    تحياتي
    أديبنا الكريم ..
    قراءتك جاءت كإصغاءٍ واعٍ لا كمجرّد تلقٍّ، التقطت جوهر النص لا ظاهره، ولامست تلك المنطقة التي يكتب فيها القلم قبل أن يعي نفسه تمامًا.
    ما أشرتَ إليه من عفوية البوح وصدقه هو ما نرجوه لكل كتابة أن تبلغَه؛ أن تكون امتدادًا للشعور لا قيدًا عليه، ومساحة يفتحها النص للقارئ كي يشارك في خلق دلالته.
    ممتنة لحضورك ولقراءتك التي منحت النص بعدًا أعمق، وجعلت أثره ممتدًا خارج حدوده الأولى.
    كل التقدير لقلمٍ يعرف كيف يقرأ بوعي، ويمنح الحرف حقّه
    تحياتي